قالوا عن الخطراوي
 
الخطراوي وحكاية الموت

الخطراوي وحكاية الموت

محمد بن عبدالله المشوح

عجيبة سيرة هذا الراحل الكبير محمد العيد الخطراوي وحياته.فشعره ممتلئ بالألم والأسى والحزن مسكون فؤاده وحاضر لسانه بالمعاناة. بل الخوف من الموت فما أن يذكر صديق ورفيق ينعى إليه إلا ويرتعش من البكاء والنحيب. كيف وقصائده تبوح بل تفوح برائحة القلق أحيانا والضيق أخرى والخوف من الموت الذي له قصة وحكاية مع الخطراوي شعرا ونثرا.
ها هي قصائده «في حضرة الموت» و «والمآتم والأسئلة» و «الموت ليس واحدا» و «بكائية على حدود الموت». شواهد على ذلك وأزيد.
ومن المفارقات في حياة الدكتور محمد الخطراوي رحمه الله أنه مع ذلك حاضر النكتة والابتسامة بل هو صاحب البديهة الحاضرة اللماح الذكي الفطن الذي قبل أن تكمل عبارتك يلحقك بطرفة غير متوقعة.
تراه مستشهدا بكل حدة بشاهد شعري أو مقولة أو قصة أو حدث.
قبل خمسة عشر عاما اتصلت به هاتفيا وحاولت إجراء حوار إذاعي معه إلا أنه وعد وعدا مؤجلا غير مسمى.
وفي دعوة أخرى دعوته للثلوثية أثناء زيارة للمدينة قمت بها وقبلها مكالمة هاتفية أن نقوم بواجب الاحتفاء والتكريم لهذا العلم الأصيل إلا أنه مرة ثانية اعتذر وكان عذره مقبولا للغاية حيث إن حالته الصحية بدأت تتدهور وكان السفر شاقا عليه بكل وضوح.
الخطراوي أو كما يسميه البعض قبل عشرات السنين «الخطر.. أوي» وهو كناية عن معاركه الأدبية التي استل فيها سيفه العلمي والأدبي الذي يمكنه من خوض معاركه بكل ثقة حيث إنه المتربع على عرش الأدب شعرا أو نثرا.
المتباهي بإرثه العلمي الشرعي الذي استمده واختزنه من الشهادة الأولى من جامعة الزيتونة العتيقة قبل ما يقارب ستين عاما.
لن تضيق أو يضيق أحد بالحديث والجلوس معه فهو موسوعة علمية متكاملة يحمل معه أدبا راقيا وشعرا رصينا متماسكا وفصاحة وبيانا فضلا عن ذاكرته العجيبة واستحضاره للشواهد الشعرية بكل يسر وسهولة.
كثيرون هم أولئك الذين يكثرون من التمتمة والوعود والمحبة لأماكنهم ومساقطهم إلا أن ذلك يبقى لدى الكثيرين مجرد أحلام ووعود بالية خالية من العمل الجاد والإرث الباقي المحفور في ذاكرة الجميع.
والخطراوي رحمه الله لم يكن مجرد ثرثار بل موسوعي شمولي أديب وفقيه.
صدق في محبته لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولاها جل جهده العلمي وخلف للأجيال إرثا علميا كبيرا سيبقى شاهدا على المحبة المتبعة بالأعمال والأفعال.
وكتبه : «أسرة الوادي المبارك» و «مدرسة العلوم الشرعية» فضلا عن كتابه الفريد «الرائد في علم الفرائض» وغيرها من دراسات عن أدب المدينة في الجاهلية والإسلام والعصر الحديث، إنها شواهد على الامتداد الزماني الطويل للعلم الكبير محمد الخطراوي رحمه الله.
ما أتمناه وأرجوه أن تشرع الجامعات السعودية خصوصا الجامعة الإسلامية بأقسامها وجامعة طيبة بدراسة إرثه العلمي دراسات جادة تبقى نبراسا للأجيال من بعد لهؤلاء النوابغ النوادر ولتستضيئ الأجيال أيضا من تلك الألمعية الشمولية في المعرفة التي خلفها لنا محمد الخطراوي رحمه الله.
استطاع أن يقدم توليفة وتشكيلا فريدا من الأدب والتاريخ والشريعة فلاحق أخبار المدنيين وتتبع آثار علماء المدينة ومجاوريها بنفس أدبي وحس شعري وميل شرعي وذائقة تاريخية.
إنه المتواري خلف نخيل طيبة يستنشق نسمات هوائها زاهدا في أثير الأضواء وأزيز وصخب البهارج والمظاهر..
عاش متكئا على عصا العلم فطويت أيامه وبقيت آثاره.. فرحمك الله أيها الأشم.

 

المصدر: جريدة عكاظ

http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20120720/Con20120720518807.htm

رحيل الخطراوي: وفياً لأصدقائه حياً وميتاً

رحيل الخطراوي: وفياً لأصدقائه حياً وميتاً

الجمعة : 20/07/2012
الكاتب : خالد الطويل: المدينة المنورة

   

    

رحيل الخطراوي: وفياً لأصدقائه حياً وميتاً

الجمعة : 20/07/2012
الكاتب : خالد الطويل: المدينة المنورة

في الندوة الموثقة لنادي المدينة المنورة الأدبي قبل عام ونصف وتحديداً في تاريخ 21/2/1432 هـ التي حملت عنوان (الخطراوي وجهوده في خدمة تراث المدينة المنورة الثقافي والأدبي)؛ جاء حفل تكريم الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي بمشاركة عدد من الأدباء والمفكرين الذين تناولت أوراقهم تجربة الخطراوي بكافة جوانبها لتعكس المكانة القديرة التي يشغلها الخطراوي مفكراً ومحققاً ومربياً فاضلاً. كانت الندوة بحضور وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة الذي قال: «حين نستعرض مسيرة الدكتور الخطراوي نجده مجودا في كل ما كتب ونظم وحقق وهذه مهمة صعبة وهو ما تحقق في أديبنا الذي نحتفي به».

نتذكر ذلك الآن بعد رحيل العالم المبدع الدكتور محمد العيد الخطراوي الذي تمت الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف, ووري جثمانه ثرى بقيع الغرقد بعد ثمانين عاماً حافلة بالعلم والأدب.

ويعد الراحل أحد المؤسسين للنادي الأدبي بالمدينة المنورة، وله العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية التي أثرت المكتبة العربية، كما كان ضمن الهيئة الاستشارية للمجلة العربية.

منذ مرضه، لم يكتب الخطراوي أي بحث، واكتفى بطرح آراء نقدية في حضور مريديه، تلك الآراء التي شكلت رؤيته للواقع والمأمول في الجسد الأدبي السعودي. رؤيته التي اكتملت مبكراً، يشرحها باختصار ذلك الحوار الثنائي بينه وبين الأديب عبدالفتاح أبومدين، قبل وفاة الخطراوي بنحو ثلاثة أشهر.

في مجلس مرمري بمنزله في حي شوران بالمدينة المنورة؛ قال الخطراوي موجهاً حديثه إلى أبومدين: «لا توجد اليوم علاقة حميمية بين النادي الأدبي وأبنائه، واختفت وظيفة النادي من حيث هو حمل ورضاع ووضع. قبل أن نطالب الأندية الأدبية ببحث مسألة الثقافة؛ يجب أن ينظر إلى الوسائل التي تنظم تفاعل الأندية الأدبية مع موجب وجودها».

وخشي الخطراوي إن يكون حديثه (غير مقبول)، غير أنه حديث (شاهد على تطلعات الأدباء إلى معطيات النادي الواقعة والمطلوبة) بحسب وصفه. وذهب الأديب الفقيد، محاوراً صديقه أبومدين، إلى أن كل نادٍ يجب أن يتميز بطابع معين، مشيراً إلى تميز نادي جدة بإصدار (مجلة علامات)، وقال: «لكننا لا نجد تلك الميزة النسبية في أندية أخرى، مثل نادي الطائف».

الحوار الثنائي حضره الناقد محمد الدبيسي، والدكتور زاهر عبدالرحمن عثمان، والشاعر أنس عبدالرحمن عثمان، ووسام علي، والدكتور محمد بن صنيتان.

اختيارات الخطراوي لحياته انسجمت مع شخصيته الأدبية، فأحد مؤسسي أسرة الوادي المبارك، والعاشق المتيم بمدينته المنورة، رفض الخروج منها موصياً أن يدفن في بقيع الغرقد، محافظاً على عهده مع أصدقائه ممن سبقوه إلى هناك: الشاعران محمد هاشم رشيد وحسن مصطفى صيرفي والأديب عبدالعزيز الربيع.

مسودات خطراوية لم تكتمل

(العصي في الأدب العربي)، كتاب كان يعد له الفقيد وقطع أشواطاً فيه قبل أن تدركه المنية وتُفقد مسودات الكتاب. وبحسب تلميذ الخطراوي ممن التصق به في آخر حياته، الباحث محمد الكاف، فقد سأل الراحل عن مسودة للكتاب في آخر أيامه ولم يتمكن من العثور عليها، وربما تكون قد ضاعت أثناء انتقاله من منزل لآخر. مؤلف آخر كان يستعد له الخطراوي على أن يستلهمه من مراسلات أديب المدينة المنورة عثمان حلمي الساعاتي المدني، مع ابنه، وقد جمع الفقيد تلك المراسلات بخط يد الساعاتي آملاً أن يقرأها قراءة أدبية نقدية، غير أن الوقت لم يسعفه.

كم بقي بيني وبين البقيع؟

هو السؤال الذي أخذ يردده محمد العيد الخطراوي لزواره ومحبيه، وربما كان هاجس الوداع هذا هو سر فرحته بقيام أحد تلامذته بتلبية أمنية الخطراوي وهي تحقيق ديوان السيد جعفر البيتي.

وعدا عن فقده في الوسط الثقافي، فإن محبي وتلامذة الخطراوي سيفتقدون خصيصة إنسانية كان يتميز بها الفقيد، إذ لن يظهر في هواتفهم المتنقلة بعد اليوم اسمه حين كان يبادرهم بالاتصال ولا يعتب عليهم إن انشغلوا عنه.

** **

من وحي سيرة الخطراوي

محمد الدبيسي: المدينة المنورة

من الخطل اختزال الإشارة إلى الأديب محمد العيد الخطراوي -فضلاً عن الحديث عنه- في جزئية يسيرة من تلك المساحة التي شكلها في مشهدنا الأدبي والثقافي والعلمي.

ومع ذلك أقول: إن من أبرز ما كان يميزه -رحمه الله- الصدق والجد والالتزام في ممارسته للمعرفة؛ فمنذ أن درجنا الخطوات الأولى في هذا المشهد، وهذا العلم السني ملء المكان والسمع والبصر. أصيل وجوده فيه ومتعددة صور تمثيله له.

ومن تجليات الصدق والجد والالتزام، دأبه المبكر وحرصه الأكيد على التأسيس لمشروعه الثقافي عن المدينة المنورة، ومواصلة السير فيه والاهتمام به, بحسب ما تمثل في سلسلة دراساته الخاصة بالمدينة؛ التي تجاوزت عشرين كتاباً.

ومن يقرأ مقدمات أولى مؤلفاته في ذلك –المدينة في العصر الجاهلي، أو المدينة في العصر الإسلامي، أو حتى شعر الحرب بين الأوس والخروج– يتحقق لديه إدراك الخطراوي رحمه الله لقيمة الممارسة, وعظمة الرسالة, وشرف المزاولة، وإحساسه بالمسؤولية تجاهها. ولا أستطيع أن أُمايز بين مفردات ذلك المشروع؛ لأنها لا تتفاضل في القيمة، ولا تتغاير في الأهمية؛ فكلٌ منها في بابه وإطار محدداته الموضوعية قيمٌ ومهم ويكشف جانباً من جوانب كيان الثقافة ومنظومتها في البلدة الطاهرة.

أما النموذج الآخر لالتزامه، فهو كتابه: مدخل إلى علم ثلاثيات القرآن الكريم. وهو أقرب كتبه إلى نفسه وأحبها إليه، وقد عكف عليه فترة طويلة من عمره، ويمثل ملمحاً من ملامح علاقته بكتاب الله، قارئاً ومتأملاً ومتبصراً في أوجه إعجازه. وعارفاً بحقه عظمة وتوقيراً وإجلالاً كما دأب ونهج العارفين في تراثنا، وقد ضمن كتابه هذا أفكاره حول إعجاز القرآن وعبقريته في استجلاء دلالات ومفهوم الثلاثيات, وسياقاتها وتطبيقاتها في كتاب الله. بعد أن جرَّب عينات من فكرته في الثلاثيات واستجلى حولها القراءات والتقديرات ومستويات الفهم لها وسبر مراده منها.

ويعد كتابه الثلاثيات جهداً علمياً جديداً في كشف جوانب من الإعجاز البياني في كتاب الله، وأوجه بلاغته وأسرار تراكيبه، وهو يضع صاحبه في مصاف العظماء من العلماء المعاصرين الذين عنوا بهذا الجانب أمثال مالك بن نبي, ومحمود شاكر.

لقد كان الصدق والجد والالتزام ثالوثاً قيمياً يحكم ويوجه المشروع المعرفي لهذا العلم العظيم, وإطاراً لممارسته للثقافة والمعرفة والإبداع. ولا يعدم من يطالع أياً من مؤلفاته أن يلمس تطبيقات ذلك وعلاماته.

رحمه الله ، وجزاه خير ما يجزي الصادقين من عباده.

* * *

سيرة العالم المبدع

المجلة العربية: الرياض

ولد الخطراوي في المدينة المنورة سنة 1354هـ، وحصل على ليسانس في الشريعة من جامعة الزيتونة بتونس عام 1374هـ, وبكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1379هـ, وبكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1383هـ, وماجستير في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1395هـ, ودكتوراه في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1400هـ.

عمل مدرساً بمدرسة العلوم الشرعية الابتدائية بالمدينة المنورة عام 1375هـ, ثم عمل بعدها مدرساً بمعهد المجمعة العلمي الثانوي لمدة ثلاث سنوات, ومدرساً بمعهد إمام الدعوة بالرياض لمدة ثلاث سنوات حتى عام 1382هـ، ومدرساً بكلية الشريعة بالرياض لمدة سنة واحدة حتى عام 1383هـ.

التحق بوزارة المعارف مدرساً للغة العربية بمدرسة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة، ثم وكل إليه تأسيس وإدارة مدرسة قباء الثانوية بالمدينة المنورة.

عين بعد حصوله على الدكتوراه بوظيفة أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم وكيلاً لعمادة شؤون المكتبات بها من عام 1400 – 1402هـ.

أشرف على مجموعة من الرسائل الأدبية لمرحلة الماجستير بكلية التربية, وشارك في تقويم ومناقشة مجموعة من الرسائل لمرحلة الماجستير والدكتوراه في كل من جامعة أم القرى وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكليات البنات.

من مؤلفاته المطبوعة: الرائد في علم الفرائض، شعراء من أرض عبقر – دراسة لمجموعة من الشعراء السعوديين (جزءان)، شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج (دراسة)، المدينة المنورة في العصر الجاهلي - دراسة للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية (دراسة)، المدينة المنورة في العصر الجاهلي – الحياة الأدبية (دراسة), المدينة المنورة في صدر الإسلام – الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية (دراسة(, المدينة المنورة في صدر الإسلام – الحياة الأدبية (دراسة)، مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، والموقع التاريخي الرائد، أدبنا في آثار الدارسين بالاشتراك، البنات والأمهات والزوجات في المفضليات وأشياء أخرى، أسد بن الفرات ومسرحيات أخرى، في الأدب السعودي.

كما ترك الأديب الخطراوي لمكتبة الشعر عدة دواوين من شعره. وهي: أمجاد الرياض (ملحمة شعرية في حياة الملك عبد العزيز(, غناء الجرح، همسات في أذن الليل، حروف من دفتر الأشواق، تفاصيل في خارطة الطقس، مرافئ الأمل، تأويل ما حدث، أسئلة الرحيل.

هذا فضلاً عن تحقيقه العديد من الكتب الدينية والتاريخية وعدة دواوين لشعراء في عصور أدبية مختلفة.

 


 

وترجل الخطراوي فارس الكلمة والحرف

    بقلم/ د. عبدالله بن عبدالرحيم عسيلان 

الأربعاء 11/07/2012

رحماك ربي في عالمنا الذي يموج بأحداث جسام تزهق فيه الأرواح.. رحماك ربي في عالمنا الذي أخذت فيه كواكب العلم تتهاوى كوكبًا إثر كوكب، فما نكاد نكفكف الدمع على فراق عالم، أو باحث متميّز، أو مفكر بارع إلاّ ونُرْزأ بآخر. ولا ريب أن فقد أهل العلم والمعرفة يُعدُّ حدثًا جللاً لا يُستهان به، لأن فقدهم يعني انطفاء شمعة تتوقد، فيتبدد ظلام الجهل، ويلفظ أنفاسه، وينحسر، ولن تقوم للجهل قائمة ما دام أهل العلم يتنفسون بين الناس بعلمهم. ويا لهول الكارثة حين يستشري الجهل، ويتخبط الناس في ظلمائه.. وها نحن منذ أيام نودّع علمًا من أعلام المدينة المنورة له باع طويل في محيط العلم والمعرفة والأدب والثقافة ذلكم هو الدكتور محمد العيد الخطرواي، الذي غادر الدنيا الفانية يوم الخميس الماضي، ولكنه باقٍ في نفوس تلاميذه ومحبيه بآثاره العلمية المفيدة، وجهوده المثمرة في محيط العلم والمعرفة، وهكذا شأن الدنيا فرح وحزن، وصفاء وكدر، ونزول وارتحال، والبقاء لله وحده كما يقول أبو البقاء الرندي في قصيدته المشهورة:
لكل أمر إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الليالي كما شاهدتها دول
من سرّه زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد
ولا يدوم على حال لها شان
رحم الله الخطراوي.. كان معلّمًا وموجّهًا وباحثًا واسع الإدراك، عميق النظرة، وناقدًا بصيرًا، وكاتبًا ذا مواهب أدبية متعددة، وشاعرًا مبدعًا.. ومَن يتأمل فيما ترك لنا من مؤلفات وبحوث علمية وأدبية وبرامج في الإذاعة والتلفزيون، ومقالات في الصحف والمجلات، يدرك مدى ما كان له من عطاء معرفي وثقافي وأدبي ثر؛ فقد تجاوزت آثاره المعرفية والأدبية أكثر من خمسين كتابًا وبحثًا وأعمالاً أدبية من بينها عشرة دواوين شعرية، ويلاحظ أن اهتمامه في مسيرة التأليف والعطاء كان متجهًا بشكل واضح نحو المدينة المنورة، من ذلك كتبه التي أرّخ فيها للحياة الأدبية والعلمية والاجتماعية في المدينة المنورة، وتحقيقه لعدد من دواوين شعراء المدينة مثل ديوان عمر البري، وديوان الزللي، وديوان الأسكوبي، وديوان ابن النحاس، وكتابه عن الأستاذ محمد عالم أفغاني من روّاد المقالة والقصة والنثر، وكتابه عن الأستاذ محمد سعيد دفتردار مؤرخًا وأديبًا، وكتابه عن الشاعر عبدالرحمن عثمان مبدع الشعر ومنجب الشعراء، وكتابه أسرة الوادي المبارك الذي يؤرّخ فيه لفترة مهمة من تاريخ المدينة المنورة الأدبي والثقافي ، ولا عجب في ذلك فقد كانت المدينة المنورة تسكن في وجدانه وكان حبه لها. يجلجل في أعماق نفسه حبًا يفوق كل حب دنيوي ويتجلى ذلك واضحًا في ديوانه الذي صدر عن النادي الأدبي في المدينة المنورة بعنوان (على أعتاب المحبوبة) وقال في الإهداء (إليك أيتها المحبوبة في عامك الرابع والعشرين بعد الأربعمائة وألف، واسمحي لي أن أسفح على أعتابك دموع الاعتذار المتوهجة بحبك)، وجاءت عدد من القصائد في الديوان تؤكد ذلك من أشهرها قصيدة (أنا في طيبة) التي بلغت أبيتها (106) في سبعة مقاطع كل مقطع يبدأ (أنا في طيبة...) ومن ذلك قوله:
أنا في طيبة أتيه على الدهر
وأمشي على رؤوس الليالي
أنا في طيبة وقلبي شوق
وحنين لطلعة المختار
أنا في طيبة وعيني تسعى
خلف ركب الرسول في استهداء
وفي قصيدة أخرى عنوانها ضفاف البيان يقول:
وغدت طيبة به خير دار
ومنارًا للعدل والإيمان
ملكت ذروة الفصاحة طرًا
ببيان الحديث والقرآن
والثقافات أشرفت في ازدهاء
والبطولات زمجرت في المغاني
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان.. «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».

 

المصدر: جريدة المدينة

الدور الرائد لبيئة المدينة المنوّرة فكرياًّ وأدبياًّ.. د. الخطراوي أنموذجاً

  بقلم/ عاصم حمدان

الأربعاء 11/07/2012

** عرفت المدينة المنوّرة المنتديات الأدبية منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث أسّس بداية الشاعر والأديب والفقيه عبدالجليل بن عبدالسّلام برّادة (1240 -1327هـ) منتداه الأدبي في حيّ السُّنبلية بباب المجيدي، وأطلق عليه اسم «الأبّارية»، ويبدو أنّه كان بستانًا من تلك البساتين المنتشرة حول المدينة، كما أنشأ الشاعر المعاصر للبرّادة وإبراهيم الأسكوبي، وهو أنور بن مصطفى عشقي (1246 - 1336هـ) منتدى حمل اسم «الأنوريّة»، وكان يقع في باب الشّامي، وربما بالقرب مما كان يُسمى «زقاق جعفر» في شمال المدينة المنوّرة.
كما أنشأ السيّد عبدالله مدني، والد كلّ من السيدين الأديبين عبيد وأمين مدني، منتدى حيّ سُلطانة، وأطلق عليه اسم «بستان أم شجرة»، وذلك سنة 1324هــ، يرتاده شاعر من شعراء اليقظة العربية وعالم من علماء الحرم النبويّ الشّريف؛ وهو محمد بن أحمد العُمري الواسطي (1280-1365هـ).
** وفي منتصف الخمسينيات الهجرية من القرن أُنشئ في المدينة المنوّرة ناديان أدبيان؛ هما نادي المحاضرات، ونادي الحفل الأدبي، وقد ذكر لي أستاذنا المربّي والأديب محمّد حميدة، وكان معاصرًا لتلك الحقبة، أنّ فكرة إنشاء مجلة المنهل برعاية الأستاذ والمؤرّخ والأديب عبدالقدّوس الأنصاري، وصحيفة المدينة المنوّرة برعاية السيدين الأديبين علي وعثمان حافظ، كانتا من ثمرات هذين المنتديين، وأشار السيّد عثمان حافظ في كتابه الموسوم «ذكريات عن المدينة المنوّرة» منشورات نادي المدينة الأدبي 1403هـ 1982م، إلى هذه الانعطافة الهامة في تاريخ المدينة الفكري والأدبي والصحافي.
** وفي مطلع الثمانينيات الهجرية والخمسينيات الميلادية تشكّلت نواة أسرة الوادي المبارك، وانضمّ إليها المرحوم الدكتور محمد العيد الخطراوي، وكان الأب الروحي لهذه الأسرة أو الرابطة الأدبية هو الأستاذ الأديب والمؤرّخ محمّد سعيد دفتردار (1322هـ - 1392هـ)، وأتذكّر أنّ دار الأستاذ الدفتردار -رحمه الله- كانت تحتفي باجتماعات هذه الأسرة الأدبية، والذي خصّه الفقيد الخطراوي بدراسة وافية عنه، كما فعل مع شعراء وروّاد آخرين من أمثال محمّد أمين زكي، وإبراهيم الأسكوبي، وعارف حكمت الحسيني، وعبدالرحمن عثمان، ومؤسّس دار العلوم الشرعيّة السيّد أحمد الفيض أبادي (1293 -1358هـ).
** وللتأريخ فإنّ للأستاذ عبدالقدّوس الأنصاري كتابًا عن مؤسّس هذه المدرسة التي قامت بدور علمي في بلد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم تضاهي ما قامت به مدارس الفلاح في مكّة المكرمة والمدينة المنوّرة، وقد قُدّم هذا الكتاب بسطور أدبيّة بليغة للأديب الكبير المعروف أحمد حسن الزيّات -رحمه الله-، وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة 1365 - 1946م، والثانية التي بين يديَّ صدريت عام 1410هـ -1989م.
** كما شارك فقيدنا الخطراوي في دراسة أدب العصور المتأخّرة، هو والأديب والناقد المعروف وأحد أعضاء أسرة الوادي المبارك، المرحوم عبدالرحيم أبوبكر وذلك في كتابه «الشعر الحديث في الحجاز» «منشورات نادي المدينة الأدبي 1397 -1977م.
** وقد اجتمعت في شخصيّة الفقيد الخطراوي سمات عدّة جمعت بين الفكري والأدبي والتاريخي، إضافة إلى دوره الرائد في تعليم مواد اللغة العربية بمدرسة طيبة الثانوية؛ حيث خلف الأستاذ محمّد سعيد دفتردار في القيام بهذه المهمة الجليلة، ثمّ في أحد الثانوية، ثمّ في ثانوية قباء، وهو يعد من أواخر الشخصيّات الأدبيّة الموسوعيّة التي حفلت بها بيئة المدينة المنوّرة في العصور الماضية والحديثة والمعاصرة.
** ولعلّ من أهمّ سمات هذه البيئة هو تلاقي الأدبي والدّيني والفكري والثّقافي، في منظومة واحدة تتلاقى ولا تتباعد، وتتألف ولا تتنافر، وتتواءم ولا تتجافى، إضافة إلى أنها البيئة التي تنصهر فيها الأجناس من عراق واللّغات، وتبقى سمة الحوار الكريم لمثوى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومسجده الطّاهرة وآثاره النبويّة الخالدة هي السمة الأبقى والأقدر على التصدّي لكلّ ما يتنافى مع وسطيّة هذه البيئة واعتدالها وسماحتها.. وفي الختام رحم الله فقيد العلم والأدب الدكتور الخطراوي، وأسكنه فسيح جناته، والعزاء لأهله ومريديه. 

 

المصدر: جريدة المدينة

 

 

الخط / راوي
المصدر جريدة المدينة 
الأربعاء 11/07/2012

 

محمد العيد لن أرثيك فالألفُ
هناك خلف جدار العجز بي يقفُ
كلُّ الحروفِ بها آثارُ ألسنةٍ
من أين لي لغةٌ غير التي عرفوا
تموت بعد نضوبي ثم تسألني
ماءً فمن أين هذا اليوم أغترفُ
ضلوعنا الجفنُ والخفّاق أعيننا
فلن يعيدك لا دمعٌ ولا أسفُ
ورد المدينةِ يبقى عطرُه أبدًا
ما زال في الروح يسري عطرمن قُطفوا
يا أيها البحرُ هذا زورقي قَلِقٌ
في قبضة الموج والبحّارُ يرتجف
يا سيدَ الشعرِ عذري أنني رجلٌ
نزفتُ موتَك جرحًا مثلما نزفوا
الشعرُ يعرف يا عملاقُ موعدَه
مع الكبارِ وقد جاءتْ بي الصُدَفُ
يُلقِي لديك دعيُّ الفكرِ رايتَه
فالعدلُ أنتَ إذا حُكّمتَ والشرف
يا واحةَ النخلِ هل ترضيك أُعطيتي
وأنتَ تعلمُ قبلي أنها حشفُ
وقفتَ غدرًا بنصف الدرب يا قلمي
فيما الوقوفُ وما للصدق منتصفُ

الخطراوي آخر أغصان أسرة الوادي المبارك
الخطراوي آخر أغصان أسرة الوادي المبارك
قضى الخطراوي حياته بين ميادين التربية والبحث والنقد والتحقيق والإبداع وترك إرثًا خالدًا من المؤلفات
د. عائض الردادي
الإثنين 16/07/2012
مع فجر الخميس 15/8/1433هـ، 6/7/2012م احتضن بقيع الغرقد في المدينة المنورة د.محمد العيد الخطراوي الذي تغنى في شعره بها، وقضى سنوات من عمره في البحث والتأليف والتحقيق عن المدينة، وهو القائل:
أنا في طيبة أتِيه على الدهر
وأمشي على رؤوس الليالي
عاش على ثراها ودفن في بقيعها وفي الحديث «من مات بها كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا».
تخرج في كلية الشريعة في جامعة الزيتونة في تونس عام 1374هـ (1954م) وعاد ليدرِّس في معهد إمام الدعوة في الرياض، وهناك ألف أول كتاب هو الرائد في علم الفرائض، وقد لقي هذا الكتاب رواجًا ولا أعرف له كتابًا آخر في علوم الشريعة سواه ثم حصل على شهادة في اللغة العربية عام 1379هـ (1959م) وأخرى في التاريخ عام 1383هـ (1963م) قبل أن يحصل على الماجستير عام 1395هـ (1975م) ثم الدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة الأزهر عام 1400هـ (1980م)، ولعل ذلك سبب موسوعية ثقافته مع أن اشتغاله بالبحث والتحقيق غلب عليه جانب اللغة العربية وآدابها، وكذلك عمله في التدريس والإدارة التعليمية، ولكن الأكثر من ذلك هو كثرة قراءته وعنايته بالكتاب حتى أنشأ دار نشر ولا أظنه كسب منها إلا حرفة الأدب.
وهو شاعر مبدع غاص في التراث العربي وتأثر به، وجارى الجديد وكان من فرسانه، وإذا كان الابداع موهبة فإن سعة اطلاع الخطراوي وكثرة قراءته قد وضحت في إبداع الخطراوي الشعري وفي مؤلفاته، وفي تحقيقه لكتب التراث.
لقد ملك الخطراوي باعًا طويلًا في اللغة العربية، وأكاد أحس إذا جرى نقاش معه في مادة لغوية أنه يكاد يحفظ القواميس، ويظهر ذلك عند مناقشته لرسائل الماجستير والدكتوراه فهو يركز كثيرًا على سلامة اللغة: نحوًا وصرفًا ودلالة، وسلامة من الأخطاء الشائعة.
جرى الأدب منه مجرى الدم فعشق الكلمة الجميلة المعبرة إبداعًا ونقدًا وأسس مع أدباء المدينة أسرة الوادي المبارك التي تحولت بعد انشاء الاندية الأدبية إلى نادي المدينة المنورة الأدبي، وظل سنين طويلة نائبًا لرئيس النادي، وهو آخر غصن يهوي من أسرة الوادي المبارك، وأجزم دون شك أنه اكثر هذا الأسرة إنتاجًا ثقافيًا في الابداع الشعري وفي البحث والنقد الأدبي، وفي التاريخ، وفي تحقيق الدواوين الشعرية لشعراء المدينة، وهو كما قال عنه الشاعر يوسف الرحيلي راثيًا:
كنت تمشي على العقيق تغني
والعقيق العريق كان يغني
عندما أترع الخلود دواة
وسرى الحبر بين علم وفن
رب عمر كنصف يوم وعمر
أسبل المجد يومه نصف قرن
عرفته عندما أعد للإذاعة برنامج «شعراء من أرض عبقر» الذي كانت كل حلقة منه عن شاعر سعودي، ثم طبعه في كتاب، واعد للاذاعة عددًا من البرامج منها برنامج «وجهة نظر» الذي كان يوميًا لمدة (5) دقائق لنصف شهر، وشارك في كثير من البرامج والندوات وكتابة الأحاديث الثقافية، واعتلى كثيرًا منابر الأندية والمهرجانات وأثرى كثيرًا الجلسات الأدبية الخاصة بمخزونه الأدبي وبإنتاجه وبروحه المرحة.
قضى الخطراوي حياته بين ميادين التربية والبحث والنقد والتحقيق والإبداع وترك إرثًا خالدًا من المؤلفات ولن تكفي سطور معدودات لحياة حافلة بالعطاء، فرحمه الله.


المصدر: جريدة المدينة - العدد 17981
الإثنين  26 شعبان 1433هـ - 16 يولية 2012م
الخطراوي.. حبيب النثر والقصيد!!

    الخطراوي.. حبيب النثر والقصيد

بقلم/ يوسف العارف

الأربعاء 11/07/2012

(1)
.... وأقرأ الخبر صباح الخميس 15/8/1433هـ «الخطراوي في ذمة الله» يااااا الله كم هو مؤلم فقدُ مَن نحب!! وكم هو مبكٍ خبر موت أستاذٍ وصديق!! وكم هي الحياة قصيرة رغم بلوغ السبعين لشاعرٍ فذٍّ، وناقدٍ متمكّنِ، وناثرٍ أديبٍ. فتح الله عليه فنال شرفين: شرف المكان طيبة الطيبة / المدينة المنوّرة / مجاورة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم؛ وشرف العلم الشرعي والأدبي واللغوي، فسخّر الشرف الثاني للشرف الأول فكانت المدينة / المكان الذي تفتقت منه وفيه معالم الطموح، ورياح التكوين المعرفي، وروح العطاء الفني والشعري!!
(2)
رحمك الله أيُّها الشاعرُ المبدعُ، فقد عرفناك أيام المد الحداثوي في فضائنا الثقافي، فكنت صاحب الراية الوسطية التي ناقشت بهدوء وعقلانية، ونشرت القصائد والنصوص العصرية، ودخلت في تشابكات فكرية أنتجت معالم الحداثة الإسلامية التي صرح بها ذات حين دكتورنا محمد مريسي الحارثي، صنوك في النقد والأدب، ومجايله المغربي طه عبدالرحمن!!
(3)
ورحمك الله أيُّها الأديبُ اللذيذُ، الذي يمتع السامع والقارئ بحصافة عقله، ورجاحة منطقه، وجميل قوله إنْ شعرًا أو نقدًا، وإنْ نثرًا أو فكرًا. أذكر ذات ليل ثقافي في نادي جدة الأدبي، وكان مستضافًا ضمن الشعراء الضيوف، وأثناء تعليق الدكتور سعيد السريحي ألمح إلى كنية جديدة ألصقها بالدكتور الضيف -رحمه الله- وهي «الخطر أوي» باللهجة المصرية فما كان منه -رحمه الله- إلاَّ الابتسام، ورد التحية بأحسن منها!!
(4)
ورحمك الله يا صاحب المبادرات الأدبية، فمَن يتذكر مسيرة الوادي المبارك، وأسرته الأدبية، ودوره الثقافي في ربوع المدينة المنورة سيعرف أن للخطراوي /محمد العيد، الدور الأكبر في التأسيس والإشراف والتفعيل، حتى أصبحت الأسرة منارة أدبية يهتدي بها السائرون في دروب المعرفة والأدب داخل المدينة النبوية وخارجها، واستمرت كذلك حتى تلاشت في النادي الأدبي بالمدينة المنوّرة، وكان للمرحوم -إن شاء الله- دور قيادي وثقافي بارز في النادي، وعطاءات ثقافية بلا حدود تُذكر فتُشكر.
(5)
ورحمك الله يا صاحب المشروع المعرفي / الثقافي الذي خصصته لمدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وثقافتها وتاريخها/ أدبها وشعرها، فكانت كل أطروحاته ومؤلفاته تدور حول محور الثقافة المدينية، وذلك من خلال ما كتبه عن الحركة الثقافية والفكرية والأدبية في مدينة المصطفى منذ العصور الجاهلية، وصولاً إلى عصرنا السعودي الزاهر، وكانت كتبًا أوليةً في مصدريتها، وذات أصول تحقيقية في منهجيتها، لا يستغني عنها طالب العلم، والباحث عن المعرفة.
(6)
وأخيرًا رحم الله الخطراوي / محمد العيد، الشاعر المبدع صاحب الدواوين الشعرية المعاصرة / التجديدية مثل: ديوان «أسئلة الرحيل»، و»تفاصيل في خارطة الطقس»، و»تأويل ما حدث»..... ولأهله نقول: عظّم الله أجركم، وأحسن عزاءكم في مصابكم، «إنّا لله وإنّا إليه راجعون».. ولأصدقائه المثقفين، والشعراء المبدعين، والنقاد الذين فجعوا في هذا المصاب نقول: أكثروا من الدعاء بالرحمة والمغفرة، وأن يدخله الله جنّات الفردوس مع الصديقين والشهداء والصالحين.
والحمد لله رب العالمين
.

الكتابة والحكاية .. الخطراوي تجدد الفكر والروح
  

الكتابة والحكاية

الخطراوي تجدد الفكر والروح

عالي سرحان القرشي

ما بين الحياة والموت يتردد الوجود الإنساني ،لكن صعقة الموت حين تمتص الحركة والحيوية ،والوجود الجسدي، تبقي من الوجود الإنساني ما لم يشهد الموت على انتهائه في تلك اللحظة ، ويبقى على مدى أجيال وعصور يتحرك بحياة لا جسد لها ، وحين تطال يد المنون ، الشاعر المبدع في فنون التاريخ والفكر والنقد الدكتور محمد العيد الخطراوي، ذلك الحبيب الذي التقت عليه أفكار ومشاعر ذات تباين زمني ومكاني مختلف،فإن الأفق الوجودي للشعر والفكر سيظل محتفظا بحراك تلك الشخصية وتفردها الإبداعي والنقدي ، وسيظل محاورا لها وباحثا عن أفكارها ، ومتوقدا بحيويتها واشتعالها.

الحيوية الفكرية في اشتغالات الخطراوي رحمه الله حاضرة ومتقدة ، ذلك لأن وعيه المنفتح على التراث إحياء ومدارسة كان شاغلا له ، وبخاصة تاريخ المدينة المنورة ، والتواريخ الخاصة بعلمائها ومجاوريها ،وآثارهم الفكرية. كان ينظر إلى أن الفكر والأثر التاريخي ليس له مرحلة محدودة بشخوصه بل هو مكون يشتعل ويشتغل في الوجود الحاضر ، وأن كلا منهما صاحب حيوية وانبعاث للآخر.

وحين نطالع ونسترجع عالمه الشعري نجد الخطراوي ذا حيوية مستقبلة ومنتجة لتشكيلات ولغة النص الشعري في تحولاتها ، فلم يقف إبداعه على تخوم القصيدة العمودية ، ولم تقف القصيدة العمودية عنده على نمطها التقليدي ؛بل كان انفتاحه على التشكيلات الحديثة للنص الشعري الجديد ذات أثر في حيوية النص الشعري العمودي لديه ، تقرأ النص ، يأتيك إنشاده من عبق الماضي ، من بين أصداء جبال المدينة وحراتها ، وحنينها المتجدد ، في امتلاء بوجدان وحضور الشخصية الحاضرة التي تذكيها لحظة التجلي ، وتنداح في استصحاب الحنين لبركات المكان المقدس ، ولما يبثه التاريخ من ري بعوالم أولئك الذين كاشفوا التجليات الروحانية ، وسرت من عمق وجدانهم وطهارة أرواحهم .

 

 

محمد العيد الخطراوي

حين تسمع قوله :

كم تمنيت أن أكون ترابا في ثراها ، أو صخرة لا تزول

تربها عنبر ومسك فتيت ماج فيه التكبير والتهليل

تجد أن نشيد الأمنية ، المبثوث بين يديك ، يتهادى من أصوات المدلجين إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وموئل الإيمان ، لكن بث تلك الأمنية في تضاعيف المكان وخلجاته ، وامتزاجه بصخره وترابه وعبقه ،وتحوله إلى الابتهال والتكبير .. كل ذلك من تجدد امتزاج الروح بالمكان ، الذي وعاه الخطراوي ، وملأ وجوده ، فمازج الطهر مكانا وابتهالا ، وفضاء يسري في ملكوت الله .

يظل هذا التمازج والتشكل من فضاء المدينة بالخطراوي رحمه الله ،ليطل علينا بلحظة التجلي في عالم النبوءة ، الذي لا يختلف عن لو كان استشرافه للرفيق الأعلى الذي خف إليه ... حين يداهم وجداننا ذلك النشيد إلى لقاء العالم الآخر عبر لقاء القداسة والطهر والتجليات ، حين كاشف الحجب في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين قال :

وأشرقت الروح بالكاف والنون

وافت بنا السحب مرتبع الغيث

فأينعتُ .. أو عبتُ

أدلجتُ في اللازمان

أبحرت في اللامكان انكفأت على ذاتي البائسة

فشاهدت مجمع آيات ربك......

فانظر إلى المدينة كيف غدت فاتحة للرؤيا ، عابرة به الزمان والمكان ، متجاوزا بها وإليها ضيق الجسد ، إلى إشراقة الروح ، وفضاء الملكوت .

لذلك لم يكن تجدد الفكر ، وتشكيل الإبداع عند الخطراوي هوسا فكريا أو فنيا ، وإنما هو حاجة الروح للانعتاق من دائرة الجسد ورتابة التقليد ، إلى فضاء الروح وهي تعانق الرؤيا ، وتخفق للتجليات

 

المصدر: جريدة الرياض الإلكترونية

محمد العيد الخطراوي.. عطاء يجيب عن “أسئلة الرحيل”
    ابتسام المبارك - المدينة المنورة
الأربعاء 11/07/2012

مع إطلالة فجر يوم الخميس الماضي 15 شعبان 1433هـ الموافق 5 يوليو 2012م توقف قلب أديب المدينة المنوّرة وشاعرها الدكتور محمد العيد الخطراوي، لتنطوي بذلك صفحة مضيئة من صفحات الأدب والثقافة ممثلة في مسيرة هذا الراحل.. فقد أوقف الخطراوي كل حياته للمعرفة والأدب، باحثًا ومؤلفًا ومدرسًا، فمنذ ميلاده بالمدينة المنورة في العام 1354هـ، درج الخطراوي ونشأ على حب المعرفة والتعلم، ليتدرج في المراحل التعليمية المختلفة، ولمّا حان وقت دراسته الجامعية ارتحل إلى تونس لينال درجة الليسانس في الشريعة، من جامعة الزيتونة عام 1374هـ/ 1954م، ليعود إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ليظفر منها بدرجة البكالوريوس في اللغة العربية عام 1379هـ / 1959م، ولم يقف طموحه عند هذا الحد، فاتجه إلى دراسة التاريخ ليكلل جهده بنيل درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1383هـ/ 1963م، ويمضي الخطراوي في مسيرة التحصيل العلمي فوق الجامعي حاصلًا على درجة الماجستير في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية، الجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1395هـ/ 1975م، ثم درجة الدكتوراه في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية بالقاهرة عام 1400هـ/ 1980م..
وتزامنت مع هذه السيرة العلمية للخطراوي محطات عملية متعددة، حيث ابتدأ الراحل حياته العملية عمل مدرسًا بمدرسة العلوم الشرعية الابتدائية بالمدينة المنورة عام 1375هـ/ 1955م، ثم مدرسًا بمعهد المجمعة العلمي الثانوي لمدة ثلاث سنوات للفترة من 1376 - 1379 هـ الموافق لعام 1955 - 1959م، ولم ينفك مقدمًا جهده في مجال التدريس، حيث عمل مدرسًا بمعهد إمام الدعوة بالرياض لمدة ثلاث سنوات حتى عام 1382هـ/ 1962م، ومدرسًا بكلية الشريعة بالرياض لمدة سنة واحدة حتى عام 1383هـ/ 1963م، ليلتحق بعد ذلك بوزارة المعارف مدرسًا للغة العربية بمدرسة طيبة الثانوية بالمدينة المنورة، التي تدرج في سلكها الوظيفي من مدرس سنة 1383هـ/ 1963م إلى مدرس أول عام 1386هـ/ 1966م ثم وكيلًا للمدرسة سنة 1391هـ/ 1971م، وفي عام 1394هـ/ 1974م أوكل له تأسيس وإدارة مدرسة قباء الثانوية بالمدينة المنورة وظل يعمل فيها حتى عام 1400هـ/ 1980م، وبعد حصوله على الدكتوراه عين بوظيفة أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم وكيلًا لعمادة شؤون المكتبات بها من عام 1400 - 1402هـ الموافق لعام 1980 - 1982م، لينتقل منها للعمل أستاذًا مساعدًا بكلية التربية - فرع جامعة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة منذ سنة 1402هـ/ 1982م، عمل خلالها رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية لأكثر من ست سنوات، وحصل على درجة أستاذ مشارك وبلغ درجة الأستاذية إلى أن أنهى مدة الخدمة النظامية لطلب التقاعد، وخلال تدريسه في الجامعة أشرف على مجموعة من الرسائل الأدبية لمرحلة الماجستير بكلية التربية وشارك في تقويم ومناقشة مجموعة
من الرسائل لمرحلة الماجستير والدكتوراه في كل من جامعة أم القرى وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكليات البنات.
ولئن كان الراحل قد قدم جهده المقدّر في مسيرته العملية والعلمية، فثمة طور ثلاث من أطوار حياته الثرية؛ يتجلى في مؤلفاته ونشاطه الأدبي، حيث تنوعت مؤلفاته، وتعددت مشاربها، ومن بين هذه المؤلفات يطل كتابه «الرائد في علم الفرائض» الذي صدر في العام 1961م عن دار الفكر بدمشق، ومن مؤلفاته أيضًا، «شعراء من أرض عبقر» وهو عبارة عن دراسة لمجموعة من الشعراء السعوديين في جزءين، طبع الجزء الأول سنة 1398هـ/ 1978م، وطبع الآخر عام 1399هـ/ 1979م من منشورات نادي المدينة المنورة الأدبي، ثالث مؤلفاته جاء تحت عنوان «شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج» وهو عبارة عن دراسة صدرت في العام 1400هـ 1980م، عن مؤسسة علوم القرآن ببيروت، وله أيضًا «المدينة المنورة في العصر الجاهلي - دراسة للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية» صدر في العام 1404هـ/ 1984م عن مكتبة دار التراث بالمدينة المنورة، ثم «المدينة المنورة في العصر الجاهلي - الحياة الأدبية» عام 1404هـ/ 1984م، عن دار التراث بالمدينة المنورة، و»المدينة المنورة في صدر الإسلام - الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية» دراسة صدرت في العام 1404هـ/ 1984م عن دار التراث بالمدينة المنورة، و»المدينة المنورة في صدر الإسلام – الحياة الأدبية»، دراسة قدمها في العام 1404هـ/ 1984م عن دار التراث بالمدينة المنورة، ومن مؤلفاته كذلك كتاب «مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة والموقع التاريخي الرائد» صدر في العام 1411هـ/ 1990م عن دار التراث بالمدينة المنورة، و»أدبنا في آثار الدارسين بالاشتراك»، و»البنات الأمهات والزوجات في المفضليات وأشياء أخرى» عن نادي المدينة المنورة الأدبي في العام 1419هـ، و»أسد بن الفرات ومسرحيات أخرى» صدر في العام 1419هـ، وأخيرًا كتابه «في الأدب السعودي» والذي صدر عن النادي الأدبي بحائل في العام 1419هـ.
كذلك كان الخطراوي حاضرًا في عالم القوافي والشعر حيث قدم 12 ديوانًا للمكتبة السعودية متمثلة في: «أمجاد الرياض» (ملحمة شعرية في حياة الملك عبدالعزيز) 1394هـ 1974م، «غناء الجرح» 1397هـ 1977م «همسات في أذن الليل» 1397هـ 1980م، «حروف من دفتر الأشواق» 1410هـ 1980م، «تفاصيل في خارطة الطقس» 1411هـ 1991م، «مرافئ الأمل» 1413هـ 1997م، «تأويل ما حدث» 1418هـ 1997م، و»أسئلة الرحيل» 1419هـ ومعظم هذه الدواوين صادر عن نادي المدينة المنورة الأدبي.
وفي جانب التحقيقات فقد أسهم الراحل بقدر كبير في هذا المجال ومن ذلك تحقيقه لكتاب «الفصول في سيرة الرسول» للحافظ بن كثير (بالاشتراك مع زميل) 1400هـ، و»المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية»، للحافظ أبي القاسم علي بن لبان المقدسي (بالاشتراك مع زميل) 1403هـ 1983م الناشر دار التراث، ودار ابن كثير، وتحقيق لديوان محمد أمين الزللي 1405هـ 1985م دار التراث بالمدينة المنورة، وديوان عمر إبراهيم البري 1406هـ 1986م دار التراث بالمدينة المنورة.. وغير ذلك من التحقيقات الأخرى.
ولم يقف عطاء الراحل عند الدراسة والتدريس والتأليف بل كانت له مشاركات وأنشطة عديدة، فقد كان عضوًا مؤسسًا لنادي المدينة المنورة الأدبي ونائب رئيس النادي سابقًا، كما شغل منصب رئيس اللجنة الثقافية (سابقًا) بفرع جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنورة منذ تأسيسه، بجانب عضويته في لجنة تقويم الأنشطة الثقافية برعاية الشباب بالمدينة والمنورة.. وغير ذلك من نشاطات قدم فيها عطاء خالدًا ومضيئًا في صفحة الثقافة والأدب والفكر السعودي.. رحم الله الدكتور محمد العيد الخطراوي

المصدر : صحيفة المدينة الإلكترونية

طارق محمد العيد الخطراوي يشكر المعزين بوفاة الفقيد الوطني د- محمد العيد الخطراوي
   
الخطراوي يشكر المعزين بوفاة الفقيد الوطني د- محمد الخطراوي


08-23-1433 03:21 PM
عاجل (محمد المحيميد)-

قدم الأستاذ طارق الخطراوي مدير إدارة النشر الالكتروني بوزارة الثقافة والإعلام شكره وتقديره وامتنانه لأصحاب السمو الامراء ومعالي الوزراء وأصحاب السعادة والمشائخ والزملاء على تعزيتهم بوفاة والده الأديب الفاضل الدكتور محمد العيد الخطراوي معتبرا أن الاتصالات والبرقيات المتوالية خففت من مصاب العائلة لاسيما وأن المغفور له كان علما خادما لدينه وطنه ومليكه بكل امتياز ولله الحمد .

وقال الخطراوي : بالأصالة عن نفسي و نيابةً عن جميع أفراد عائلة الخطراوي وأقاربهم بالمدينة المنورة أتقدم بخالص الشكر والتقدير والإمتنان إلى كل من شاركنا أحزاننا و واسانا في وفاة فقيدنا الغالي المغفور له بإذن الله تعالى الوالد الدكتور / محمد العيد بن فرج الخطراوي سواء حضورياً أو هاتفياً أو برقياً أو الكترونياً من أصحاب السمو والمعالي والفضيلة والسعادة من السادة والسيدات ورجالات الأدب والثقافة والإعلام وجميع أصدقاء ومحبي فقيدنا الغالي، وأخص بالذكر:

1. صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن عبدالعزيز وزير الداخلية

2. صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن ماجد بن عبدالعزيز أمير منطقة المدينة المنورة

3. صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز مساعد وزير الداخلية للشئون الأمنية.

4. معالي وزير الثقافة والإعلام د/ عبدالعزيز خوجة

5. معالي وزير المالية الدكتور ابراهيم العساف

6. معالي وزير الاتصالات المهندس محمد جميل ملا

7. معالي وزير العمل الأستاذ عادل بن محمد فقيه

8. معالي رئيس ديوان المراقبة العامة أسامة بن جعفر فقيه

9. معالي رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الأستاذ محمد بن عبدالله الشريف

10. معالي أمين منطقة المدينة المنورة الدكتور خالد عبدالقادر طاهر.

11. معالي رئيس مجموعة البنك الاسلامي للتنمية الدكتور أحمد محمد علي.

12. سعادة اللواء عبدالرحمن الفدا (وكيل وزارة الداخلية للأحوال المدنية )

13.سعادة الدكتور عبدالعزيز صالح العقيل ( وكيل وزارة الثقافة والإعلام المساعد للإعلام الداخلي.

أسكن الله الفقيد فسيح جناته وجزاكم الله عنا خير الجزاء ورحم الله موتاكم وموتانا وموتى المسلمين ... إنا لله وإنا إليه راجعون
 

 
المصدر: صحيفة عاجل الإلكترونية

الخطراوي: الظالم المظلوم

    الخطراوي: الظالم المظلوم

 

د. زاهر عثمان


ليس هذا العنوان، الذي يتكرر مع نزول الأسى، محاولة لاستدراج إثارة إذ يعلم من يعرف الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي، رحمه الله، أنه كان أبعد ما يكون عن ذلك. ولم أبدأ بالعنوان ولكني وجدت وأنا أستغرق في محاولة لاستعادة ما اختزنت عن الخطراوي في ذاكرتي ونفسي مستعرضا مسيرته الطويلة متوقفا عند مراحل ومواقف وكتب، أنه ظالم ومظلوم.
ظل محمد العيد الخطراوي يحتل مكانة خاصة لدى أبناء المدينة المنورة الذين تتلمذ كثير منهم على يديه. إلا أن البعد الأوضح عنه كان اهتمامه باللغة العربية وبالشعر خاصة، بالإضافة إلى المرحلة المهمة في حياته التي قضاها في السلك التعليمي مدرسا فوكيلا ثم مديرا. وكان الدكتور الخطراوي قد استعاد دوره الأستاذي حين حصل على شهادة الدكتوراه التي حظيَت به تشريفا، ولم تضف إليه فيما أضاف لها. وأكمل مسيرته التربوية في إفادة أجيال أخرى كان لها من الحظ نصيب مؤكدا مقولته المشهورة «عشت وسأموت مدرسا». ويُذكر للخطراوي أنه رغم اعتباره في عداد التقليديين بحكم نشأته ودراسته فإنه أخذ بما اقتنع به من تطور وكتب الشعر في حداثة لم تنف ما علق بها من جذور الأصالة، وجزالة لم تفسد التقبُّل العصري. وكتب الخطراوي وكتب دواوين عدة وأبهج العديد من الأمسيات الشعرية وأكد ذلك سيطرة هذا الجانب عليه خاصة وأنه بقي دائما نصيرا للغة العربية الفصحى يذود عنها بقلمه ولسانه.
هنا أصبح الخطراوي مظلوما إذ إن سيطرة الشعر غطت على جوانبه الرائعة التي ربما كان فيها أكثر عطاء من الشعر. ولعل أبرز جانب من جوانب الخطراوي التي قد شغف بها حبَّا وازدانت به مريدا هو اهتمامه بالتراث العربي والإسلامي عموما، وبتراث المدينة المنورة على وجه طاب له التخصيص. وقد مكنَّه ذلك من الإبداع في مجالات عديدة تحت تلك الشجرة الوارفة. فالخطراوي:
فقيه: تجاوز بشاعريته «ولولا الشعر بالعلماء يزري»، وأصدر كتاب «الرائد في علم الفرائض»، الذي ما يزال المرجع الأوضح والأبسط في هذا العلم، كما كان لكتابه «ثلاثيات القرآن الكريم» أثر له قصب السبق.
محقِّق: قدَّم مجموعة متميزة من الكتب عن تاريخ المدينة المنورة والتراث الإسلامي لعل أبرزها «المنهاج السوي في ترجمة محيي الدين النووي للسيوطي»، و»المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية» لأبي القاسم المقدسي، و»الفصول في سيرة الرسول» للحافظ بن كثير، و»عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير» للحافظ أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري. وكان من أجمل ما حقَّق كتاب «شهي النغم في ترجمة شيخ الإسـلام عارف الحكم» لأبي الثناء الألوسي والذي صدر بعنوان «عارف حكمة – حياته ومآثره». وقد عرَّف بذلك كل من لم يكن يعرف عن عارف حكمت إلا المكتبة السنية التي كانت بجوار المسجد النبوي وأزيلت في غمرة جهل بأهميتها التاريخية والعمرانية.
مؤرِّخ: استطاع أن يوثِّق بجدارة المتخصص وإدراك العالم مراحل مهمة من تاريخ المدينة المنورة، واستطاع أن ينظر بشمولية غير مسبوقة لجوانب متعددة من الحياة فيه. وأقصد هنا كتبه «المدينة في العصر الجاهلي: الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية» و»المدينة المنورة في صدر الإسلام: الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية». وقد مكَّن بذلك الباحثين من إجراء دراسات مقارنة بين العصرين. ولم يستطع الخطراوي باهتمامه الأدبي إلا أن يفرد كتابا خاصا عن «المدينة في العصر الجاهلي: الحياة الأدبية». ويمكن أن يضاف إلى مجهوداته في توثيق تاريخ المدينة المنورة كتابه «مدرسة العلوم الشرعية» والذي وثَّق به تاريخ منارة من منارات العلم مبينا فيه الموقع التاريخي الرائد لها.
وأجدني أضع تحت هذا التصنيف كتبـه التي جمع فيها نتاج بعض أدباء المدينة المنورة فسبق بذلك التاريخ الذي ينسى. ومن تلك «ديوان محمد أمين الزللي» وديوان «عمر بري»، و»عبد الرحمن عثمان: مبدع الشعر ومنجب الشعراء». على أن أبرز كتبه في توثيق التاريخ الأدبي هي كتابه «أسرة الوادي المبارك» والذي أرَّخ فيه لتلك العصبة التي تعدُّ علامة في تاريخ الأدب بالمملكة.
ناقـد: كتب عن دراية وبصيرة، وبتوازن حاد عن شعراء المملكة في كتب عدة منها «شعراء من أرض عبقر»، و» في الأدب السعودي» وكتاب «أدبنا في آثار الدارسين».
كاتب مقالة: كان حضور الخطراوي بارزا في مقالات طرزت العديد من الصحف وتناولت العديد من المواضيع في الأبعاد الكثيرة التي يجيد. وخصص البعض منها مبينا وفاءه لكثير من الأدباء والأعلام حتى لمن اختلف معهم. وقد جمع بعض مقالاته في كتابه «الأفاشير وأضغاث أخرى من القول». وكان للمدينة المنورة وأعلامها التي يحب نصيبا وافرا من مقالاته، كما كان لها ولأدبائها وعلمائها نصيب أوفر في «مقالاته» الإذاعية.
تعمَّدت أن أميل إلى الفنون التي أبدع فيها الخطراوي، ويصبح مع ذلك من نافلة القول إلى أنه لم ينس اللغة العربية في خضم هذه التعدديات فقد كتب دراسات عن تاريخ الأدب «شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج»، والبنات والأمهات والزوجات في المفضليات وأشياء أخرى. وكتب المسرحية: «أسـد بن الفرات». ولعل جهلـي وغزارة ما كتب هما السبب في احتمال إغفال عناوين لا تقل أهمية من كتبه ودراساته.
الخطراوي هو «كل أولئك» كما قال مرة في مقابلة صحفية في تواضع الواثق. ولم يكن في خوضه تلك العلوم مغامرا وإنما دارسا عارفا فهو متخصص درس الشريعة في جامعة الزيتونة بتونس، ودرس اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ودرس التاريخ في جامعة الملك سعود، ثم درس الأدب والنقـد في كلية اللغة العربية بالجامعة الأزهرية. ونعلم أن الدراسة وحدها لا تصنع مثل الخطراوي الذي كان له جلد العلماء السابقين في عصور ازدهر الحضارة الإسلامية.
هكذا إذاً! فقد ظلم الشعر الخطراوي حين تبختر باعتباره ديوان العرب على الفنون والعلوم الأخرى التي أجاد فجعل رايته أعلى. وإذ يذكر الخطراوي في مقابلة معه أن نفسه قد ظلمته أيضا فإنني أجده ظالما لها. بالغ الخطراوي في إنكار الذات والركون للتواضع رغم حضوره البهي فظلَم، وبالغ في السماح للشعر بأن يقف بجواره دائما فظلَم.. وظلمه زمنه وبعض أهله إذ لم يحسنوا إليه بما يستحق من تقدير، وأجدني آسف على أن رئاسة النادي الأدبي بالمدينة المنورة لم توكل إليه يوما وهو الجدير بها الغني عنها حتى ولو بصفة فخرية. إلا أنني وجدت بارقة من عدل قد لاحت مع إعلان اسمه ضمن الحائزين على الجائزة التقديرية للرواد في تاريخ الجزيرة العربية ضمن جائزة ومنحة الأمير سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ الجزيرة العربية للعام 1427هـ، وهي التفاتة وفاء وتقدير محمود. وأظن غير آثم أن الدكتور الخطراوي كان يستحق أن يكرَّم في المهرجان الوطني للتراث والثقافة «الجنادرية» كأحد رواد المملكة في مجالات اللغة والتاريخ والأدب.
كان أعظم ما بالخطراوي، رحمه الله، محبته للمدينة المنورة فمن معين ذلك الحب كتب وكتب. وحين لاح بارق اللقاء قبل أسبوع كتبت أبياتا عصت لفترة ثم اكتملت حين نويت لقاءه.. ولكني وصلت متأخرا حيث وصل النعي مع الفجر يؤذن برحيل ذلك الأشم. وإذ كان مفترضا أن أقرأها عليه.. قرأتُها علي!

نشر بتاريخ 13-07-2012

المصدر: جريدة البلاد

أستاذي الدكتور محمد الخطراوي

حمزة المزيني

٢٠١٢/٧/١٢

رحم الله أستاذي (وأستاذ عدد كبير ممن درسوا في المدينة المنورة) الدكتور محمد العيد الخطراوي الذي وافاه الأجل يوم الخميس الماضي. ولابد من الإشارة في البدء إلى أن أستاذي الدكتور الخطراوي كان يهيم بالمدينة المنورة هياما لا نظير له، ومن شواهد ذلك أنه عند إلقائه قصيدة عن المدينة في أول حفل لجائزة المدينة المنورة قبل سنوات، سبقتْه دموعه وهو يقدِّم لقصيدته داعيا بأن يقضي ما بقي من حياته فيها، وأن يوافيه الأجل فيها، ويدفن في بقيعها. وقد حقق الله تعالى له أمنيته ليُدفن في أشرف جوار، في بقيع الغرقد مجاورا للرسول صلى الله عليه وسلم. فهنيئا له.
وتمتد معرفتي بأستاذي الراحل إلى سنوات طويلة؛ منذ أن كنت طالباً في ثانوية طيبة. وقد رأيتُه لأول مرة وهو يدخل فناء ثانوية طيبة الواسع بسيارته «الكاديلاك» القديمة التي لابد أنه اشتراها من الرياض حيث كان يعمل قبل عودته إلى المدينة.
وكنت كتبت عنه، وعن بعض أساتذتي الذين درسوني في مراحل الدراسة المختلفة، مقالا قلتُ فيه عنه: «وهو شاعر مجيد وفنان مطبوع ومدرس متمرس. لكن أهم ما كان يتميز به هو روحه المرحة التي تطرد السأم حتى إنا كنا نشتاق لدروسه وننتظرها. ولم يكن محافظا في اللغة التي يستعملها، إذ كان يستعمل اللغة في التنكيت كثيراً، وذلك ما كشف لنا أنه يمكن للغة العربية أن تستعمل في الأمور المبتذلة كما تستعمل في الأمور الجادة، لأنها لغة طبيعية. ومن الأمثلة على روحه المرحة أنه كان يدرسنا «العَروض»، ولم يكن يكتفي بالتدريس النظري للقواعد العروضية. بل كان يستخدم الإنشاد والغناء ليحدد التفعيلات في البيت ليرسخ في أذهاننا الإيقاع الشعري عامة ونغمات البحور المختلفة، وكانت تلك الطريقة مبعثا للسرور والمرح. ذلك أنه كثيراً ما كان ينتج عن تقطيع بيت ما خلقُ كلماتٍ ربما تكون مبتذلة أو طريفة، وهو ما يجعلها محلا للتعليق و»القفشات»، («أولئك هم أساتذتي»، الوطن،13/5/1425هـ).
وكان حريصاً على أن يُحسِن الطلابُ نطقَ اللغة الفصحى ونحوها. وكان يشدد النكير على بعض الطلاب الذين يأتون من مناطق وقرى خارج المدينة ثم يقلدون نطق الحضر من أهل المدينة لبعض الأصوات مثل: ترقيق الراء، ونطق صوت «ذ» زايا، والثاء سينا. وكان يسخر دائما، بطريقة لا يحسنها إلا هو، من تقليدهم غير المتقن لتلك الأصوات لأنهم لم يكتسبوها في صغرهم.
وكان أحد المنغصات في دروسه أن خطّه كان سيئا (ولا يماثل خطه في السوء إلا خط الزميل الدكتور عبدالله الغذامي!)، وكنا كثيرا ما نتخذ من سوء خطه وسيلة للتنكيت الذي كان يسعد به ويشاركنا فيه.
وكنت رويت في المقال المشار إليه هنا أحد المواقف التي جرت بيني وبينه في أول درس درسني إياه، وأعيده هنا لطرافته.
فقد دخل علينا في درس كان يسمى بـ»المطالعة الإضافية» أو اسم قريب منه. وكان الطلاب يقرأون فيه رواية أو كتابا (ومن الكتب التي قرأناها في ذلك الدرس: عبقريات العقاد، وبعض روايات محمود جودة السحار.
أما في الحصة الإنجليزية لهذه المادة فقد درَسْنا قصةَ حياة غاندي!).
وحدث ذلك الموقف حين بدأ الفصل بقراءة رواية تاريخية عن الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
ووردت في مقدمة الرواية كلمة «مَرَدوا».
فسألنا الدكتور الخطراوي (ولم يكن دكتورا حينها) عن معنى «مردوا». فلم يجب أحد من الطلاب. ثم رفعت يدي، وبعد أن أذن لي بالكلام أجبتُ بأنها تعني «اعتادوا»، ثم استشهدت ـــ بكل براءة ـــــ بالآية الكريمة: «ومن أهل المدينة مردوا على النفاق»(التوبة، الآية 101).
فما كان منه إلا أن عاجلني قائلا: «اسمعْ، لقد قال الله تعالى أيضا: «الأعراب أشد كفرا ونفاقا» (التوبة، الآية 97). فرددتُ عليه مباشرة: نعم، لكن الله أثنى على بعض الأعراب أيضا في قوله تعالى: «وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التوبة، الآية 99).
ويقول بعض المفسرين إنها نزلت في وفد قبيلة مزينة».
فما كان منه إلا أن انفجر ضاحكا بصوت عال.
وكان يمازحني بتلك الطريقة اللماحة مما جعلنا نضحك طويلا على هذا الحوار المقتضب الذي يعني الكثير!! وصار ذلك الحوار بداية لصداقة طويلة. ومن المؤكد أن كثيراً من طلابه يحتفظون بمواقف شبيهة حدثت لهم معه يذكرونها كلما ذكروه.
وكان حفيًّا بي طوال دراستي الثانوية، وكان يخصني بالنقاش في الفصل. ودعوتُه في أحد تلك الأيام لزيارتنا في بلادنا (ويطلق أهل المدينة مسمى «البلاد» على المزرعة)، في منطقة «البريقا» من وادي العقيق، فجاء وبرفقته أستاذي الأثير الآخر سالم مصطفي الحامدي وقضيا سحابة ذلك اليوم معنا.
وكان يتحفنا في تلك الجلسات الطويلة في «البلاد» ببعض قصائده التي تتناول موضوعات شتى. ومازلت أذكر أن إحدى قصائده التي أسمعنا إياها ذلك اليوم كانت عن سيارته الـ»أوبل». ولا أتذكر الآن إن كان يمدحها، أم كان يشتمها وذلك أقرب إلى حسِّه الفكاهي العالي.
وكان من آثار تلك العلاقة الودية أنه بعد أن صار وكيلا لثانوية طيبة بعد سنين من تخرجي فيها، وكان بعض أبناء أقاربي يدرسون فيها ويتأخرون أحيانا بسبب بعد المكان وصعوبة المواصلات. ومع أنه كان شديداً على الطلاب الذين يتأخرون في الحضور صباحاً، إلا أنه كان يتسامح معهم ويدافع عنهم بأنه يفهم السبب الذي يجعلهم يتأخرون أحيانا.
وقد التقيت به بعد ذلك كثيرا في مناسبات ثقافية في المدينة وخارجها. وكانت علاقتنا تتجدد دائما، وكان يحرص على أن يظهر مودة خاصة لي، وهو ما كنت، ومازلت، أبادله إياه.
لا يحتاج أستاذي الدكتور محمد العيد الخطراوي -رحمه الله- مني تنويها بمكانته الأدبية والثقافية والفكرية على مستوى المدينة المنورة والمملكة. فذلك كله معروف مشهور.
رحم الله أستاذي العزيز، وتقبله في الصالحين، وجعل آخرته خيرا له من دنياه. وخالص العزاء لأسرته الكريمة، ومحبيه الكثر.

 

المصدر: صحيفة الشرق

أديب المدينة المنورة كرس حياته في خدمة الحركة الأدبية والتعليمية في المملكة ... محمد العيد الخطراوي يرحل بعد 58 عاماً من العطاء

أديب المدينة المنورة كرس حياته في خدمة الحركة الأدبية والتعليمية في المملكة

محمد العيد الخطراوي يرحل بعد 58 عاماً من العطاء

 

المدينة المنورةلينا أبوعزة

ودّعت المدينة المنورة فجر أمس شاعرها وأديبها الدكتور محمد العيد الخطراوي عن عمر يناهز 77 عاماً، إثر غيبوبة دخل فيها نتيجة سقوطه على رأسه.
وتمت الصلاة على جثمان الفقيد بعد صلاة الظهر في المسجد النبوي في المدينة المنورة.
ويُعد الخطراوي أحد أبرز الوجوه الثقافية والأدبية في المدينة المنورة، وواحداً من أبرز شعراء المملكة العربية السعودية في العصر الحاضر، متمسكا بثوابت الشعر من حيث اللغة والقيم الفكرية والأخلاقية، لا يمنعه شيء من ممارسة التجديد في شكل القصيدة دون الخروج إلى نزقات الحداثيين.
كما يعد من أعمدة الحركة الأدبية في المدينة المنورة، وفي المملكة بشكل عام، فهو أحد الأعضاء المؤسسين لأسرة الوادي المبارك منذ عام 1385هـ، وكان عضواً مؤسساً للنادي الأدبي بالمدينة المنورة، وتسلم منصب نائب الرئيس في النادي، كما كان عضوا في اللجنة المركزية للمحافظة على الآثار في المدينة المنورة.
ونعت ابنة الراحل الكبرى مشاعر الخطراوي والدها على حسابها في «تويتر»، قائلة: «أصبح أبي جارك يا رسول الله كما تمنى، مؤلم رؤيتك محمولاً على أكتاف الرجال، لكني رأيتك تزف إلى مقامك عند الله، رحلت أبي في ليلة النصف من شعبان، ورحيلك علامة بقاء وارتقاء، لم تمت بل رحلت بعيدا سفر.. وغربة… هي الحياة».
وعبر مدير نادي المدينة المنورة الأدبي الدكتور عبدالله عسيلان عن حزنه برحيل الفقيد، وقال: «معرفتي بالخطراوي تمتد إلى أكثر من ثلاثين عاما. لا شك أن الساحة العلمية والثقافية والفنية ودعت قمة شامخة من الأدب والعلم، ومسيرة الخطراوي مسيرة حافلة بالعلم والثقافة والمعرفة، وهو أستاذ لا شك في ذلك عن طريق مسيرته في التدريس، وخرَّج جيلاً من الطلاب».
وأضاف «كان له دور كبير في تقدم الطلاب الذين درسهم، فمنهم من تمثل في مناصب عليا، ومنهم من أصبح وزيرا، وآخرين أصبحوا أساتذة في الجامعات. كان له نشاط علمي، ومؤلفات غنية، فيها عناية فائقة بتاريخ وأدب المدينة المنورة»، موضحاً أنه كان للفقيد أيضاً دور كبير وملحوظ في دعم مسيرة نادي المدينة المنورة الأدبي منذ تأسيسه.

الخطراوي في سطور

ولد الدكتور الخطراوي عام 1354 (1935) في المدينة المنورة.
حصل على ليسانس في الشريعة من جامعة الزيتونة عام 1374 (1954).
حصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1379(1959).
نال شهادة الماجستير في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية عام 1395(1975).
حصل على دكتوراة في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية عام 1400(1980).
بدأ حياته العملية في 1375 (1955) بالتدريس في مدرسة العلوم الشرعية الابتدائية.
عمل مدرساً في معهد المجمعة العلمي الثانوي لمدة ثلاث سنوات.
درس في القسم العالي بمعهد إمام الدعوة بالرياض لثلاث سنوات (1379-1382هـ).
عمل بكلية الشريعة في الرياض لسنة واحدة عام 1383.
عاد إلى المدينة المنورة لتدريس اللغة العربية في مدرسة طيبة الثانوية من عام 1383حتى عام 1391، وأصبح وكيلاً لمدير المدرسة منذ عام 1391حتى عام 1394، حين أسند إليه مهمة تأسيس مدرسة قباء الثانوية، التي عمل فيها حتى عام 1400هـ.
انتقل إلى التدريس الجامعي بعد حصوله على الدكتوراة في الجامعة الإسلامية، ثم في كلية التربية (فرع جامعة الملك عبد العزيز)، وظل يعمل فيها حتى تقاعد.

من مؤلفاته

موسوعة المدينة المنورة.
الرائد في علم الفرائض.
البنات والأمهات والزوجات في المفضليات.
أمجاد الرياض (ملحمة شعرية).
غناء الجرح (ديوان).
حروف من دفتر الأشواق (ديوان).
تفاصيل في خارطة الطقس (ديوان).
مرافئ الأمل (ديوان).
تأويل ما حدث (ديوان).

محمد العيد الخطراوي

محمد العيد الخطراوي الأديب المبدع والعالم المتجدد فكراً ورؤية
الخطراوي الأديب...المبدع والعالم المتجدد فكراً ورؤية
المدينة المنورة - صلاح القرشي وردينة هاشم
الثلاثاء ١٠ يوليو ٢٠١٢
 
محمد الخطراوي.

لا يزال رحيل الشاعر والأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي قبل أيام يثير الأسى والحزن، بين الأدباء والمثقفين الذين عرفوه عن كثب. فهو يعد قامة أدبية مهمة، ورمزاً حيوياً للأدب والشعر في المدينة المنورة، كما أنه أحد المؤسسين للنادي الأدبي في المدينة المنورة، وهو أديب ترك العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية التي أثرت المكتبة وغطت مواضيع وقضايا مهمة.

يقول الدكتور عالي القرشي عن الفقيد: «رحم الله الأديب المبدع والعالم المتجدد فكراً ورؤية». الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي، سيبقى في الذاكرة والوجدان، التصق بأكرم البقاع وأطهرها، ناجاها في كلماته واختلج لها، بكى على صمتها وغيابها، فانطق الصمت واستحضر التأبي على الغياب، قرأ فيها تلك النفحات التي لامست روحه وشغاف قلبه، فغدت الكلمات أرواحاً للمكان وعبقه ودفئه، وموئل الحنين منه وإليه».

ويضيف القرشي لـ«الحياة»: «تقرأ الخطراوي حين يضع ذاته ورؤاه على أعتاب المحبوبة»، فتجد تمازج فيوض الذات والمكان يسكب ماءها في رؤيا الشعر، يقول عن صفيته المحبوبة:

«تمرح العين في غلائلها الخضر

ويصبو لوجهها التأويل

وتعيش الأحلام عبر هواها

قبسات يزكو بهن الفلول

فعلى صدرها تطيب الأماني

وعلى زندها يلذ الذهول».

بقي أن أقول إن القصيدة عند الخطراوي ذات تجدد مستمر، أثرى فيه القصيدة العمودية، وراود آفاق القصيدة الجديدة، ولم يغفل النقد عن هذا الإثراء، فقد تابعه وتوقف ملياً عند تجربته».

ويستعيد الأديب محمد ربيع الغامدي لقائه الأول بالراحل، فيقول: «في مؤتمر الأدباء السعوديين الأول كانت فرصتنا نحن طلاب الجامعة أن نلتقي بالعمالقة، الذين لم نكن نلتقيهم إلا على أحبار كتاباتهم، رأيت الدكتور الخطراوي ولم يكن دكتوراً يومها على بعد خطوات قطعتها إليه وبرفقته الشاعر العظيم حسن القرشي، قدمت له نفسي ثم سألت: أوسيٌ أنت أم خزرجي؟ فضحك قائلاً: خطراوي!، ثم تدخل القرشي قائلاً: الأزد يبحثون عن بعضهم وضحكنا جميعاً، وقبل أن نفترق أعطاني ملزمة كانت في يده تحمل قصيدته التي شارك بها في مؤتمر أمجاد الرياض».

وأوضح الغامدي أن الخطراوي «من جيل الرواد العمالقة، ولا شك حتى وإن تأخرت به أيامه عنهم، وهو من المؤثرين الفاعلين في مسيرة الأدب السعودي المعاصر، بما قدمه من جهد أدبي وكتابي، وبما مارسه من فعل تربوي جاوز فيه نصف قرن من العطاء المشهود، وهو علم من أعلام طيبة الطيبة أدباً وتاريخاً وجغرافية ومكانة اجتماعيه، أسس فيها أسرة الوادي المبارك، وكان من مؤسسي ناديها الأدبي، ومن بناة جمعيتها التي قامت هناك للثقافة والفنون، وله ممن تخرج على يديه عدد كبير من الطلاب الذين أحسن إليهم بما علّمهم. لقد حزنت كثيراً على موته، كما أحزنني كثرة الباكين عليه، ولكنها سنة الحياة، ولن ينفعه إلا ما قدم لآخرته ولوطنه ولثقافة أمته، نسأل الله أن يتقبل منه ما قدم، وأن يجزيه عنا خير الجزاء».

ويقول الشاعر والناقد ماهر الرحيلي: «فقدت المدينة برحيل الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي ابناً باراً، وعالماً جليلاً، وأديباً محافظاً ومجدِداً، وإسهاماته تشهد له في اللغة والأدب والفقه والتاريخ دراسةً وتحقيقاً.

وتمَّ تكريمه قبل وفاته في مبادرة جميلة من النادي الأدبي، وبحضور وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة وجمعٍ من محبيه وتلامذته، وقد شعر بالوفاء والحب ليلتها، وظهر ذلك جلياً عليه كما رأيناه».

ودعا الرحيلي إلى أن يبادر نادي المدينة الأدبي «لجمع أعماله العلمية والإبداعية المطبوع منها والمخطوط في سلسلة واحدة، لتكون عملاً يُنتفع به بعد مماته، ولتعين الدارسين على الاستفادة والنهل من فكره وأدبه. لقد عرفته عن قرب حين كنت أستشيره في بعض المواضيع النقدية، فوجدته رحب الصدر، واسع العلم، صادق النصح، كما عرفته من خلال دراستي لقصائد من شعره، ولمست فيها فناً عالياً راقياً، جمع بين اللغة النقية والصورة الراقية والإيقاع العميق والحسّ المتدفق.

رحم الله الخطراوي، وبارك في أولاده وتلاميذه ومحبيه».

ويرى الأديب والكاتب سعد الرفاعي أن الدكتور محمد العيد الخطراوي «أحد رموز أدبنا السعودي وعلامة من علامات تمرحله الزمني، وهو بالنسبة لمنطقة المدينة وأدبائها بمثابة الأب والأستاذ والمعلم. وأشهد أنه كان حريصاً على تشجيعهم ودعمهم، وقد كان الداعم الأبرز وراء طباعة ديواني الأول في النادي الأدبي بالمدينة، وغيري من الأدباء الشباب في تلك الفترة، كما أستعيد بالحب والتقدير حرصه على وصول النادي إلى المحافظات، فلبى دعوة لإقامة أمسية شعرية في ينبع بدعوة من التعليم عام 1415هـ، كما شارك بعدها في التهيئة لأمسية شعرية في ينبع الصناعية وفي بدر، ليعاود الزيارة إلى ينبع بعده بثمان سنوات بأمسية شعرية في ينبع شاركه فيها الشاعران الوافي والحجيلي». وقال الرفاعي: «مما سبق يتبين مدى حرص الراحل الخطراوي على دعم الأدب والثقافة في المنطقة، ودعم الأدباء الشباب وتقديمهم، وتلك هي «الأستاذية» التي تضعه موضع الريادة والتأثير. رحم الله أديبنا الخطراوي الذي لم يقتصر دوره على المنطقة، وإنما تجاوزها إلى الوطن بأكمله بل والوطن العربي، عبر مؤلفات وأطروحات وإسهامات علمية عبر منابر متنوعة ومشاركات متعددة، وإن ألم الفقد شديد، لكن الموت نهاية حتمية والحياة يخلدها الأثر الصالح والعمل الطيب والسيرة الحسنة. وقد ترك إرثاً علمياً أعلن عن وقفه لله تعالى. أصدق الدعوات بأن يتغمده الله برحمته ويلهم محبيه الصبر، وكلي ثقة بلفتة وفاء تجاه هذا الرمز الذي أحب طيبة بصدق فاحتضنته، وفي بقيعها أوسدته».

وعلى امتداد حياته الحافلة وضع الخطراوي مؤلفات عدة مهمة، منها كتاب «الرائد في علم الفرائض»، و«شعراء من أرض عبقر» (دراسة لمجموعة من الشعراء السعوديين جزءان)، «شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج»، «المدينة المنورة في العصر الجاهلي» (دراسة للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية)، «المدينة المنورة في العصر الجاهلي» (الحياة الأدبية) وسواها.

وإلى جانب نشاطه في التأليف، قام بتحقيق العديد من المصنفات التراثية الهامة منها: «الفصول في سيرة الرسول للحافظ بن كثير»، «المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية» للحافظ أبي القاسم علي بن لبان المقدسي، «عارف حكمة – حياته و مآثره»، «ديوان محمد أمين الزللي»، وغيرها.

وجادت قريحة الخطراوي بالعديد من الدواوين الشعرية منها دواوين: «غناء الجرح»، «همسات في أذن الليل» ، «حروف من دفتر الأشواق»، «تفاصيل في خارطة الطقس»، «مرافئ الأمل»، «تأويل ما حدث»، «أسئلة الرحيل».

   
hg
شاعر المدينة وأديبها محمد العيد الخطراوي في ذمة الله
   
  1433/8/15

شاعر المدينة وأديبها محمد العيد الخطراوي في ذمة الله

شاعر المدينة وأديبها محمد العيد الخطراوي في ذمة الله

سبق - المدينة المنورة : ودّعت المدينة المنورة فجر اليوم شاعرها وأديبها الدكتور محمد العيد الخطراوي عن عمر يناهز 77 عاماً، وسيتم الصلاة على جثمانه بعد صلاة الظهر بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة.

ويُعد الأديب والدكتور الخطراوي أحد أبرز الوجوه الثقافية والأدبية في المدينة، إذ يحمل شهادة دكتوراه في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية بالقاهرة منذ عام 1400ه، بالإضافة لشهادتي بكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، والتاريخ من نفس الجامعة، فضلاً عن ليسانس في الشريعة من جامعة الزيتونة بتونس.
وعمل الراحل مدرساً لـ25 عاماً، بعدها وكّل له تأسيس وإدارة مدرسة قباء الثانوية بالمدينة المنورة وظل يعمل فيها حتى عام 1400هـ، حيث عيّن بعدها بوظيفة أستاذ مساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم وكيلاً لعمادة شئون المكتبات بها من عام 1400 – 1402هـ.
ثم انتقل للعمل كأستاذ مساعد بكلية التربية – فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنور - منذ سنة 1402هـ، وعمل خلالها رئيساً لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية لأكثر من سـت سنوات، وحصل على درجة أستاذ مشارك وبلغ درجة الأسـتاذية إلى أن أنهى مدة الخدمة النظامية لطلب التقاعد.
وأشـرف الخطراوي على مجموعة من الرسائل الأدبية لمرحلة الماجستير بكلية التربية وشارك في تقويم ومناقشة مجموعة من الرسائل لمرحلة الماجستير والدكتوراه في كل من جامعة أم القرى و جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكليات البنات.
وعلى الصعيد الأعمال الأدبية والعلمية، أصدر الراحل العشرات من المؤلفات والتحقيقات والدواوين الشعرية، وشارك في العديد من الأندية الأدبية والثقافية في المدينة المنورة خصوصاً والمملكة عموماً، قبل أن توافيه المنية اليوم.
"سبق" التي آلمها النبأ تتقدم بخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد، سائلة المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أهله الصبر والسلوان.
" إنا لله وإنا اليه راجعون".
أدباء ومثقفو المدينة يعّزون في وفاة الخطراوي
سامي الغمري - المدينة المنورة  
 
السبت 07/07/2012

المصدر: جريدة المدينة

شهدت مراسم العزاء للفقيد الأديب الدكتور محمد الخطراوي والتي أقيمت مساء أمس الأول في منزل الفقيد بالمدينة المنورة حضورًا كثيفًا من قبل أدباء وفناني ومثقفي وأعيان المدينة المنورة، إضافة إلى عدد كبير من مسؤولي الجهات الحكومية في منطقة المدينة. وكان في استقبال المعزين ابن الفقيد طارق وعدد كبير من العائلة وأصدقاء الأديب الراحل الذين ظهرت عليهم ملامح الحزن والأسى على فقيدهم.
ويعد الدكتور الخطراوي من أبرز الوجوه الثقافية والأدبية في المدينة المنورة، وهو أيضًا أحد المؤسسين للنادي الأدبي في المدينة
د. عبدالعزيز خوجة: الراحل شاهد على العصر وتجربته تستحق الاهتمام
   

المدينة المنورة تودع أديبها الخطراوي عن ثمانين عاما..

د. عبدالعزيز خوجة: الراحل شاهد على العصر وتجربته تستحق الاهتمام


الخطراوي متحدثاً في آخر لقاء له بزملائه

المدينة المنورة - خالد الزايدي

ودعت المدينة المنورة – أمس الخميس – الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي عن عمر ناهز الثمانين عاما، بعد رحلات علاجية، وصراع مع المرض، ووري جثمانه ثرى بقيع الغرقد بعد أن أديت عليه الصلاة بعد ظهر أمس الخميس في المسجد النبوي الشريف، ويعد الراحل أحد المؤسسين للنادي الأدبي بالمدينة وله العديد من المؤلفات والدواوين الشعرية التي أثرت المكتبة العربية.

وقد عد وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة الراحل شاهدًا على العصر، ومربيًا كبيرًا، داعيًا إلى الاهتمام بتجربته. قائلًا: حين نستعرض مسيرته نجده مجودًا في كل ما كتب ونظم وحقق، وهذه مهمة صعبة، وهو ما تحقق في أديبنا رحمه الله.

ونعى النادي الأدبي على لسان رئيسه الدكتور عبدالله عسيلان الفقيد وقال: إنه عرف الخطراوي باحثا مدققا متعمقا في الأدب لاسيما في رسالته التي خص بها المدينة والتي تتبع فيها الأدب في مختلف عصوره مضيفا: أنا اشترك معه في ذلك الهيام، لافتا إلى أنه عرف الراحل شاعرا مبدعا له إسهاماته في الشعر، إضافة إلى اهتمامه برصد الحركة الأدبية والثقافية كما تجلى ذلك في تدوينه لحراك أسرة الوادي المبارك، مشيرًا إلى أن من أبرز ثمارها صالون الوادي المبارك الذي أصبح له محبوه ومريدوه.

أما عضو مجلس الشورى الدكتور نايف الدعيس الشريف فقد أكد في حديثه عن الراحل أننا كنا أمام اللغة بكل تجلياتها، مشيرا إلى أنه شُرف بالتتلمذ عليه ثم مزاملته في العمل ثم الصحبة التي سعد بها لمدة طويلة حيث رأى ما لم يره غيره من أدبه وسلوكه، داعيا للفقيد بالرحمة ولأسرته ومحبيه وزملائه بالصبر والسلوان.

وذهب نائب رئيس النادي محمد الدبيسي إلى أن الفقيد يعد "ظاهرة بالمعنى الدلالي الكامل لهذه المفردة، ظاهرة لخروجها عن النسق المعتاد لتكوين أدباء جيله، باعتبار تأسيسه العلمي التعليمي، وشمولية إنتاجه لجل أنساق العلوم الإنسانية، ولانفتاحه كذلك على الأجيال والمراحل، مما يجيز لنا أن نعده عالما موسوعيا".

وقالت الدكتورة أسماء أبو بكر إن الراحل يمثل رافداً من روافد النهضة الشعرية فيها، وهو شاعر من شعراء جماعة أدبية، أسست للنادي الأدبي، الذي يعد انطلاقة منيرة للأدب والفكر فيها، والراحل أحد أبرز الشعراء الذين ينتمون للجيل الثاني الذي يلي جيل الرواد في الشعر السعودي الحديث، ويتمتع الشاعر ببُعد موسوعي منوع الإنتاج، شعراً ونثراً، متعدد الاتجاهات شاعراً وناقداً، مطلع على كثير من روافد الثقافة العربية الأصيلة، جامع بينها وبين روافد الثقافة المعاصرة، ينعكس ذلك في إبداعاته، كما أن إنتاجه الثقافي متعدد المجالات ما بين الشعر، والدراسات النقدية، والأدبية، والكتب الثقافية، وله مشاركات متنوعة في المنتديات والمؤتمرات الأدبية، والندوات الشعرية، كما يكتب المقالات التي تنشر على صفحات المجالات الأدبية، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً، يجمع بين الكلاسيكية والرومانسية، ناظماً للشعر النمطي، محافظاً على المستوى التقليدي، متبعاً الأوزان الخليلية التي شكل بها خطابه الشعري، وارتاد من خلالها معظم البحور العروضية تقريباً.

ورأى الباحث محمد الكاف، الذي أشرف على خروج عدد من مؤلفات الفقيد أنه يحسب له "إخراجه العديد من المؤلفات المدنية، وتراجم لأعلام وشعراء وأدباء مدنيين" مشددا على أن من أهم ما قام به في الفترة الأخيرة أنه "ختم مؤلفاته بتفسير للقرآن، حاول فيه اكتشاف نظرية جديدة في فهم القرآن". وعن أسلوبه الكتابي ذهب الكاف إلى أن كتاباته تتميز ب"الجدة والأصالة والتميز".

ومن كتب الفقيد: الأفاشير وأضغاث أخرى من القول، الشيب في الشعر العربي، في الغناء بالفصحى.. انتماء للهوية وانتصار للعربية، شعراء من أرض عبقر، شعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج، البنات والأمهات والزوجات في المفضليات وأشياء أخرى، محمد سعيد دفتردار مؤرخا وأديبا، الصفع بالكلمات (صفعة على قفا مدخن)، أمجاد الرياض (ملحمة شعرية في حياة الملك عبدالعزيز)، غناء الجرح، همسات في أذن الليل، ثرثرة على ضفاف العقيق، قراءة في دفاتر بعض الحمير، وله قرابة خمسين كتابا، 26 تأليفا، 11 تحقيقا، 12 ديوانا.

 


د.خوجة راعياً حفل تكريم الخطراوي


د. عبدالعزيز خوجة

 


نايف الدعيس

 


محمد الدبيسي

 


د. عبدالله عسيلان

المصدر: جريدة الرياض

ترك إرثاً زاخراً من الأدبيات الرفيعة .. أدباء ومثقفو المدينة المنورة يرثون محمد الخطراوي
    ترك إرثاً زاخراً من الأدبيات الرفيعة .. أدباء ومثقفو المدينة المنورة يرثون محمد الخطراوي
ترك إرثاً زاخراً من الأدبيات الرفيعة .. أدباء ومثقفو المدينة المنورة يرثون محمد الخطراوي

المدينة المنورة - جازي الشريف :

رحل يوم الخميس الماضي الأديب والشاعر بالمدينة المنورة الدكتور محمد عيد الخطراوي ابن المدينة أديبها الذي يجمع الأدباء أنه لم يأخذ حقه من الإعلام في مسيرة حياته وخصوصاً لما قدمه من إبداعات رائعة في الأدب - وإن كان النادي الأدبي بالمدينة المنورة أقام له مشكوراً قبل سنوات قليلة حفل تكريم بمشاركة معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجه الذي ثمن مسيرة هذا الاديب بكلمات وسرد لمواقفه الأدبية وبعض قصائده الشعرية . رحل هذا الأديب عن عمر يناهز 77عاما بعد أن أقعده المرض في السنوات الأخيرة ورغم هذا المرض كان يحرص على حضور المناسبات الثقافية بالمدينة المنورة , وقد استطلعته البلاد بعض المشاعر من الأدباء وأصدقاء الراحل.
رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي الدكتور عبد الله العسيلان . فقدنا اليوم برحيل الدكتور محمد عيد الخطراوي أديباً فذاً له أسلوبه المميز. اديبا مثقفاً بمعنى الكلمة أديباً يمتعك حين يتحدث وترى الإبداع في سطور ما يكتبه سواء شعراً وقصصاً أننا نعتبر الخطراوي رحمه الله مدرسة خاصة له أسلوبه الذي يتحدث به بدون تكلف له أبداعاته التي لا يتكلف حين ينثرها أنه يقطف أجمل العبارات الشعرية في قصائده وحين يكتب عن الأدب والثقافة تجد نفسك أنك أمام موسوعة قد ألمت بأجمل العبارات والتي يوثقها بطريقة لا تقبل النقاش. الخطراوي الانسان صاحب قلب كبير وروح خفيفة يميل إلى المداعبة تجذبك بساطته. وأننا في نادي المدينة المنورة فقدنا أخاً وصديقاً وأديباً يصعب من أن نجد مثل شخصيته نسأل الله له الرحمة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
عضو نادي المدينة المنورة الأدبي الاستاذ خالد الطويل. نعم رحل الخطراوي وترك خلفه إرثاً أدبياً - يميزه عن الجميع كان يكره التكرار والتشابه في الاداء كان يكره المحابة ويحب جداً أن تكون كل الأمور في مواضعها الحقيقي يتضايق جداً من الذين يتسلقون أسوار الأندية الأدبية ويحاولون أن ينسبوا أنفسهم للأدب وهم لا يملكون هذه الموهبة يؤكد أن الأدب فطرة وليس اجتهادا ولن يكون الأديب أديباً حقاً حتى يكون له أسلوبه الذي يستطيع أن يضيف به شيئاً للساحة الادبية والأديب هو الذي يمتلك من الثقافة الحسية التي تجعله يعرف ما يقال أمامه في المناسبات الثقافية.. الخطراوي مدرسة لها طابعها وأسلوبها ليس من السهل نجد نظيراً له .
الدكتور محمد راضي الشريف - أديب وشاعر يجب ان تحفظ حقوق هذا الراحل العملاق - ومن أول هذه الحقوق - أن يبادر النادي الادبي بالمدينة المنورة - وأن ينسق مع أمانة المدينة المنورة في إطلاق اسم محمد الخطراوي على احد الشوارع في طيبة الطيبة ليبقى هذا الاسم لهذا الاديب في مخيلة الجميع لقد قدم لطيبة العديد من الاعمال الرائعة من اعمال شعرية في ديوانه الذي أطلق عليه - علي اعتبا المحبوبة - بصراحة انه زرع في نفوسنا أدباً راقياً وتعلمنا منه الكثير ومنها كيف يكون للاديب شخصيته المميزة . لقد كان شديداً في النقاش في الساحة الادبية لا تمر عليه الاسقاطات يقف بقوة أمام كل من يحاول ان يشوه أو يتلاعب بالفاظ اللغة العربية دقيقاً في أدبه مرحاً في نفسه كان يحب النكته وهو يصارع المرض رحمه الله.
الدكتور العقيد نايف المراوني الراحل يعتبراً معلماً حقيقياً من اعلام الحركة الادبية سخر ما يملكه من ثقافة لغوية في تقديم أدب له مذاقه الخاص حين تقرأ قصائده يشدك ذلك الابداع في انتقاء مفرادت القصيدة لقد فقدت المدينة بوفاة الاديب المميز. الدكتور محمد الخطراوي معلماً ثقافياً واحدا رواد الأدب الذين ساهمو فعلاً في تأسيس مرحلة ثقافية أكثر من رائعة . خصوصا وكان له اساهما بارزاً في أسرة الوادي المبارك تلك الحقبة التي قدمت أدباً مميزاً مازلنا ننهل من ونتعلم أيها المبدع لن نعطيك حقك عبر هذه الكلمات ولكنك تركت خلفك أعمال ستشهد لك بتفردك وأنك فعلاً مدرسة بمعنى الكلمة والى جنة الخلد.

أبيات من قصيدة - بوابة الموت للراحل
وعلى بوابة الموت وقفت
ورأيت ما رأيت
فترددت كثيراً
وتراجعت قليلاً
ثم قررت الرحيلا
في طريق واحدة
وسألت الله ان يحفظ شيبي وشبابي
وحضوري وغيابي
للراحل محمد الخطراوي من قصيدة بوابة الموت
في عام 1424هـ
قصيدة الذرة المنتحرة - للشاعر الراحل محمد الخطراوي من ديوان على أعتاب المحبوبة
أرأيت الذرّ يبكي مرةً
أم رأيت الترب تذري العبرات..؟؟
عبرات الفقْد، واليأس الذي
ليس من لقيا به حتى الممات
هاهنا كان الأسى يبعثها
صرخاتٍ فوق طوق الصرخات
أطلقتها ذرةٌ بائسة
دميتْ أطرافُها بالآليات
ورماها القدّر المحتوم في
فبضة الجراف نحو الفلوات
بعد أن عاشت زماناً ماتعاً
وحياة هي أغلى الحيوات
في جوار المصطفى الهادي، وفي
ظله الضافي بأزهى الأمنيات
في ثرى مسجده كانت، فما
أروع المأوى..!! وأإلى الشرُفات..!!
هكذا الأيام تمضي دولاً
ويحار الظُ فيها ، والحياة
قالت الذرّة؟ والدمعُ على
وجنيتها أملٌ عاش ومات -
: كم حباني الله في ساحاته
بعطايا عبقاتٍ وهبات
وتنقلتُ به من جبهةٍ
لأكف وجباهٍ أخرريات
وتعطرت بأنفاس التُقى
في ثناياه، مئات فمئات ..!!
آه من أشذائه باهرةً
زاكياتٍ، طيبات، زاهيات..!!
وأنا في كفه أمنيةٌ
يتعلاى العشق فيها والصلاة
يسجد الكون على أطرافها
ويناجي في طواياها الحياة
أنا في آفاقه تسبيحة
غضةٌ، مكسوةٌ بالدعوات
وبسمع الوجد آيات لها
في ضمير الشوق آيٌ وإياة
وعلى جدرانه لؤلؤة
ماج فيها الحسنُ، موفور الصفات
أين مني جيد "ليلى" أو"هدى"
حين أبدو في أصيل أو غداة..!!
هكذا كنتُ، ولكن قدّري
أن أعاني اليوم من هذا الشتات
ها أنا منبوذةٌ في بلقعٍ
أحتسي في غربتي كأس الممات
بين دشتٍ من نفايات الورى
يتوطّاني بأقسى اللعَنات
ذرُة تافهة في وزنها
ماتت العزةُ فيها والحياة
تتحاشى الذرّ في تجواله
خجلاً مما عراها من هنات
فإذا هامت بها أقداُرها
ذات يومٍ في سواد الطرقات
وبكت تستصرخ الدنيا، ولا
أحدٌ يصغي لتلك الصرخات
لا تلوموها إذا ما انتحرت
وتوارت تحت وقع الخطوات
إنها مثلي إذا ما احتبسَت
في فمي الآهُ ، وأعياني الأُساة
وأنا مثلك، مثلي ، وغدي
مثلُ أمسي والمساءات غداة
ذرةٌ نحن، وأنتم ذرّةٌ
وهمُ ذراتنا مفترقات
أيكون الموتُ حلاً..؟؟إن يكن
فلنمت في جملة لامفردات

أستاذي ..


«كتبتها لأستاذي الدكتور محمد العيد الخضراوي رحمه الله لأقرأها مساء اليوم بين يديه فكان الموت إلى فجره أسبق فيا لها ويالي!»
شعر د. زاهر عثمان


تـــدق عـلــى الأيـــام قـــد بـــان نـابـهـاوتـدنـي لـيـال مـنــك ضـاقــت رحـابـهـا
وتـنـظـر للـدنـيـا الـتــي كــنــت مــلأهــافتغـضـي ولا تـمـضـي كـأنــك صـابـهـا
وتهتف بالأمـس الـذي صغـت نصفـهفـتـنـتـفـض الآمـــــال حــتـــى سـرابــهــا
فتغـفـو يـــداك اشـتـدتـا حـيــن صـانـتـاتــبــاريـــح أيـــــــام تــعــالـــت قــبــابــهــا
وتسـكـن عيـنـاك الـمـدى حـيـث حلـتـاوبيـنـهـا الأشــعــار طــــاب انسـكـابـهـا
كتبـت فأضـحـى صـنـوك القـلـم الــذيبـــه تـكـتــب الأمــجــاد عــــز طـلابـهــا
وقلت فكنت الصوت مُسْتَفْقَد الصدىتـشـد لــه الأسـمــاع ضـجــت طـرابـهـا
وكـنـت الـوفـي استبـشـرَتْ طيـبـةٌ بـــهوحـــنَّـــت لــــــه أفــيــاؤهــا وشـعــابــهــا
بـهـا كـنــت فاستـبـشـر ببـيـعـك غـايــةلـهــا كـنــت والـخـيـر الـعـمـيـم ثـوابـهــا
أتـذكـر يــا هــذا الـــذي مـــلء بـعـضـهحكايـا مــن السـحـر المبـيـن عجابـهـا
كـم استـرق الواشـون بعضـك وارتقـواعـلـى ظــل آمـــال فـضــاع اكتسـابـهـا
وكـــم نـكــأ الـحـسـاد آهـــات صـــادروالـواعـجـهـا الأبــقــى فـبــانــت كـذابــهــا
وكيـف ارتقـى الأدنـى علـى مـا بنيتـهوبــــــادر لـلـدنــيــا فــكــيــف غــرابــهــا!
فــلــم تــلـــق إلا مـــــا يـلــيــق تـبـسـمــاًوتـــعـــزف عـــمـــا تــدعــيـــه كــلابــهـــا
أتـيـت الــى مــا كـنـت احـمـل لـوعـتـيوأكتـبـنـي قـبــل الــــرؤى أنــــت بـابـهــا
فصـرت إلـى مـا صـرت صنـوان زادنـابقـايـا الـمـنـى ضـلَّــت فـــلاح ذهـابـهـا
وشــتــان مــــا بـيــنــي وبـيــنــك إنــمـــاعـلـوت كشـمـس كـــم يـظــن اقتـرابـهـا
ومازلت أستسقي السما بعض برقهـافتـمـحـو رجـاءاتــي ويـنــأى سحـابـهـا
إذا ضـلــت الآمـــال بـعــض وعــودهــافيكـفـي بـهــا فـيــك اسـتـنـار صـوابـهـا
وحـســبــك وعـــــد الله حـتــمــاً تــنــالــهلـصـبـرك والـتـقـوى الـشـجـي عـبـابـهـا
وحـبــك خــيــر الـخـلــق أمـعـنــت بــــرهوحــــب ديــــار مــنـــه طـــــاب تـرابــهــا
لـك السعـد فـي الأولـى تفيـأت فـوحـهلك السعد فـي الجنـات عـذب شرابهـا
تم إضافته يوم الأحد 08/07/2012 م - الموافق 19-8-1433 هـ
المدينة المنورة تشيع أديبها “الخطراوي” إلى “الغرقد” في موكب حزين
    ابتسام المبارك - المدينة المنورة علي السعلي - جدة
الجمعة 06/07/2012

فجعت المدينة المنورة فجر أمس الخميس برحيل شاعرها وأديبها الدكتور محمد العيد الخطراوي عن عمر يناهز 77 عامًا، حث تمت الصلاة عليه بعد صلاة الظهر بالمسجد النبوي الشريف، ودفن في بقيع الغرقد.
وقد حضر تشييعه جمع غفير من أهالي المدينة المنورة، وأعضاء نادي المدينة المنورة الأدبي، وجمعية الثقافة والفنون، والغرفة التجارية الصناعية، وأعضاء من هيئة التدريس بجامعة طيبة، وعدد كبير من أدباء ومثقفين المدينة المنورة، وتلاميذ الراحل، الذين ودعوه بالنظرة الأخيرة رغم شدة الحر الذي عم أجواء بقيع الغرقد..

آخر الأغصان
وقد أشاع رحيل الدكتور محمد العيد الخطراوي الحزن في أوساط المثقفين والأدباء، نظرًا للمكانة الكبيرة التي يتمتع بها الراحل في مشهدنا الأدبي والفكري والثقافي، حيث تحدث عدد من المثقفين والأدباء لـ»المدينة» حول هذا الرحيل الفاجع، ففي البداية يقول الدكتور عاصم حمدان: فقدت المدينة المنورة والوطن بكامله علمًا من أعلام الأدب السعودي المُعاصر وأحد رواد التعليم، ومعلوم عن الدكتور محمد العيد الخطراوي أنه جمع في شخصيته بين المُربي والأديب والمؤرخ والناقد، إضافة إلى مُساهمته في بعض علوم الشريعة الإسلامية التي يستدل عليها من خلال كتابه «الرائد في علم الفرائض»، وكان الخطراوي أحد أعضاء أسرة الوادي المُبارك التي تأسست في السبعينات الهجرية في القرن الماضي، ويُعتبر الخطراوي آخر من سقط من أغصان وثمار الدوحة الأدبية التي تدُل على ترسيخ العلم والفِكر والأدب والثقافة في بيئة المدينة المُنورة.
ويضيف حمدان: إن أجيالاً مُتتابعة من خريجي طيبة الثانوية وأحُد الثانوية وسواهما تُدين في ثقافتها الأدبية واللغوية للدكتور محمد العيد الخطراوي، وتذكُر له أسلوبًا مميزًا في التدريس الذي يأخُذ منهج الجد والصرامة حتى تترسخ المعلومة في ذهن الطالب، وإنني من خلال هذه الكلمات المُتواضعة لأدعو المؤسسات الرسمية والمدنية في المدينة المنورة بإطلاق اسمه على أحد شوارع المدينة أو أحد قاعات العلم والمعرفة، لأن مثل هذا الصنيع يُدلل على أننا أُمة الوفاء والعِرفان. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه والعزاء لأسرته وأصدقائه وطلابه ومُريديه وإلى الوسط الأدبي والثقافي السعودي، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

موسوعة أدبية
ويقول الدكتور عبد المحسن القحطاني: الدكتور الخطراوي موسوعة أدبية، من الجيل الذين علموا أنفسهم بأنفسهم، وتدرج في مراتب التعليم واعتلى في البحث من المعرفة وكانت تجتمع فيه صفات قلما تجتمع في عالم آخر، كما كان موسوعة في اللغة، وأديبًا وشاعرًا ومحققًا، يحمل اللمحة الذكية وروح النكتة، عندما تجلس بجانبه يشعرك بأنه فرح دائمًا رغم همومه، كان منشغلاً بالإبداع الشعري والدراسات الأدبية والقضايا النقدية.. دائمًا يسعدك بجلسته يوضح لك ما يحمل من معلومات دقيقة وعميقة في البحث المعرفي، كما أسهم إسهامًا كبيرًا في مشهدنا الثقافي، وخدم الحركة الثقافية بالمدينة خدمة تليق بمكانة طيبة الطيبة وأهلها الكرام.. رحمه الله رحمة الأبرار، وعزاؤنا فيهم جميعًا، إنا لله وإنا إليه راجعون.

معلم أدبي
الأديب عبدالفتاح أبو مدين قال: كان معلمًا من معالم المدينة الأدبية والثقافية؛ بل على مستوى مثقفي المملكة، فقد كان معلمًا وأديبًا وشاعرًا بالمدينة، كما ساهم بجهده في الحركة الثقافية والأدبية حتى قبل ما يعرف الآن بالأندية الأدبية مع لفيف من مثقفي المدينة حتى عندما كان نائبًا لأدبي المدينة، وله يرحمه الله باع طويل في اللغة والنقد والفقه، بجانب مشاركاته الثقافية والأدبية فهو يكتب ويحاضر وينتقد فقد كان شعلة من النشاط المتواصل خصوصًا شعره الجيد ودراساته الأدبية والنقدية. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وعوض الله الوطن بأمثاله ممن يحبون ثراه ويعشقون تفاصيله.

ركن مفقود
ويقول الدكتور حسن الهويمل: بموت محمد العيد الخطراوي فقدنا في المشهد الأدبي ركنًا من أركانه؛ فقد كان يرحمه الله فاعلاً، استطاع من خلال اسهاماته المتعددة والأكاديمية والصحفية وعبر الصالونات الأدبية والثقافية أن يسهم في توجيه حركة أدبية ونقدية، وفقد رجل بوزن الخطراوي لا شك سيترك فراغًا في مشهدنا الأدبي. والأمل معقود في تلامذته وزملائه أن يعيدوا قراءته وأن يقوّموا إنتاجياته فإن فقدنا محمد عيد الخطراوي يرحمه الله بشخصه فإن إنجازاته الإبداعية والتنظيرية والتطبيقية ستظل حاضرة ومتداولة.. رحم الله أستاذنا الذي قضينا معه فترة من الزمن تتلمذنا على يديه وزاملناه وتقاسمنا معه هموم المشهد الثقافي بالمملكة، فكان نعم الصديق والأستاذ والزميل الذي ينضح ثقافة في مجالس الأدب ويبحث عنا كلما غفلنا عنه.
لقد أمد الله في عمر الخطراوي حتى عايش أجيالاً وشاطرها في تنشيط الحركة الأدبية بالمملكة والدور في ما تركه من إرث ثقافي وأدبي وتراثي ونقدي وترسيخ وجوده يرحمه الله في ذمة نادي المدينة الأدبي وجامعتي طيبة والإسلامية من خلال إقامة دورات لدراسة مجمل إنتاجياته المتعددة وعزاؤنا لأبنائه وتلامذته ولمشهدنا الأدبي بالمملكة.

شاهد العصر
ويقول الدكتور مرزوق بن تنباك متأثرًا: لقد صدمنا بخبر وفاة الشاعر والناقد والأديب محمد عيد الخطراوي فقد كان من الأدباء والشعراء القلائل الذين أسهوا اسهامًا كبيرًا في ترسيخ وتنشيط الحركة الأدبية والثقافية بالممكلة، فقد كان يرحمه الله شاهدًا على العصر ومربيًا كبيرًا، فكان نتاجه كله نجده مجودًا في كل ما كتب ونظم وحقق وقد خصص جزءًا كبيرًا من جهده للتاريخ والتوثيق يرحمه الله فقد كان من الذين أفنوا حياتهم في خدمة الأدب والثقافة بالمملكة وبالمدينة خاصة. رحم الله الفقيد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ونعزي أنفسنا ولمشهدنا الثقافي والأدبي بالمملكة.

آلف ومؤتلف
الإعلامي عبدالغني بن ناجي القش قال: شهد الخميس الخامس عشر من شعبان الجاري نبأ إعلان وفاة قامة أدبية شعرية عالية، ألا وهو الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي رحمه الله.
وقد كان لوفاته أثر عجيب، فقد خيّم السكون على كل من شهد جنازته في بقيع الغرقد، وعلى الرغم من الأجواء الملتهبة، والشمس الحارقة فقد شهد مراسيم الصلاة عليه والدفن جمع غفير من محبيه وطلابه وذويه في مشهد مهيب يسر كل حبيب، ولعل هذه من عاجل بشرى المؤمن.
ويتابع القش مضيفًا: نعم تبكيك طيبة أيها الشاعر الأديب، فقد أثريت أماكنها بقصائدك الرائعة، وقد جالستك وأنت تترنم بمواضع عدة في دار الحبيب الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كقباء والعقيق وغيرها.. يبكيك منبر الشعر وقد مثلت طيبة في أحد افتتاحات مهرجان الجنادرية، ولا شك أن اختيارك كان فخرًا لطيبة وأهلها.. يبكيك الأدب وقد ملأت أركان مكتباته بكتبك النفيسة، ومؤلفاتك القيّمة فيا لك من بحر علمي ثر، ألفت في فنون عديدة كالفرائض والبلاغة والفنون الأدبية متنقلا بين أفياء العلم ناهلاً من معينها مثريًا غيرك، وهو ما يحسب لك حتى بعد وفاتك، وقد أفاد طلاب العلم من تلك المؤلفات. لا أزال أذكرك في مخيلتي منذ أن عرفتك قبل نحو ثلاثين عامًا وقد توشحت حلة من البهاء تفيض على مجلسك بروح الدعابة، وهو ما اشتهر عن شخصيتك التي تفيض طرافة وتنثر عبير الألفة والمحبة على مجالسيك.
وقد كان لهذه الروح الأثر البالغ في لإزالة الرهبة ونثر المحبة يوم أن أجريت لمجموعة من الطلاب - كنت أحدهم - مقابلة شخصية ليتم قبولنا جميعًا طلابًا في جامعة الملك عبدالعزيز، كلية التربية بالمدينة المنورة.. من عرفك فلابد أن يتأثر بشيء من خلالك وصفاتك، فالتواضع شيمتك والبسمة قرينتك، وأنت مع علو كعبك الأدبي الشعري العلمي تزداد ألفة وتآلفا، ولعلك تكون بهذا الخلق من أقرب الخلق إلى خير البرية عليه السلام وهو القائل: «ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطأون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون».. ولقد كنت سمح السجايا عرفك محبوك، فألفوك وكنت كريم الوفادة فألفتهم وأحببتهم.
ويختم القش بقوله: نعزي فيك طيبة المكان، والأدب والأدباء، والشعر والشعراء، ونعزي أنفسنا قبل ذويك، ففقدك أليم ومصابنا فيك عظيم. رحمك الله رحمة الأبرار وأسكنك الجنة مع الأخيار وقلوبنا خاشعة وعيوننا دامعة ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا على فراقك يا خطراوي لمحزونون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نجم لامع
أما دخيل الله الحيدري أمين سِر النادي الأدبي سابقًا فقال: لقد فقدت الساحة الأدبية نجمًا لامعًا من نجوم الأدب في المملكة العربية السعودية، فالدكتور الخطراوي - يرحمه الله - تميز بكثرة مؤلفاته القيمة عن المدينة المنورة بخاصة وعن الأدب بالمدينة والمملكة بصفة عامة، وكان أحد مؤسسي أسرة الوادي المبارك، وأول من أسس نادي المدينة المنورة الأدبي الثقافي، وكان لعقد من الزمن نائبًا لرئيس النادي الأدبي، وقد ذاع صيته في العالم العربي من خلال مؤلفاته ومُحاضرته وندواته، وكان أستاذ جامعيًا مُحققًا وباحثًا أمضى فترة بالجامعة الإسلامية وجامعة طيبة، واستفاد منه أبناؤه التلاميذ استفادة كبيرة في مجال تخصصه في اللغة العربية والأدب، حيث أشرف وناقش عددًا كبيرًا من الرسائل العلمية في هاتين الجامعتين والجامعات السعودية الأخرى. وقد كانت بدايته في التدريس في المرحلة الثانوية في ثانوية طيبة في المدينة المنورة وكانت له صولاته وجولاته في مجال التربية والتعليم وكان يتميز بمرجعيته بالأدب واللغة كما كان محاورًا متميزًا في الأمسيات الشعرية والأدبية وخير شاهد على علمه وفضله مؤلفاته التي تجاوزت الثلاثين مؤلفًا.. رحم الله الفقيد وألهم أهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حارس اللغة
ويقول رئيس تحرير جريدة البلاد علي محمد الحسون: الدكتور محمد العيد الخطراوي كان واحدًا من أساطير اللغة، تلك اللغة القادرة على الدخول في تفاصيل الحياة. وكان يعتبر نفسه أحد حرّاسها، وأحد رجالاتها الذين يترسمون وقعها في حياة الإنسان، وكان ناقدًا «شرسًا» لا يتخاذل عن إبداء رأيه، وكان شاعرًا فذًا له مفرداته. وكان رحمه الله نزاعًا إلي السخرية في أحاديثه، وفي مجالسه. رحمه الله رحمة واسعة وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وكلنا إلى ما آل إليه راحلون.. نسأل الله العمل الصالح وحسن الخاتمة.

آثار باقية
الدكتور هاني فقيه الأستاذ المساعد بالجامعة الإسلامية والمسؤول عن صالون الوادي المبارك للنادي الأدبي قال: أعزي نفسي والقراء والأدباء في داخل المملكة وخارجها في رحيل الأستاذ الكبير والشاعر الدكتور محمد العيد الخطراوي، ومما لا شك فيه أن المملكة والعالم العربي فقدت رمزًا كبيرًا في المشهد الأدبي والثقافي برحيل الدكتور الخطراوي..
فقد كان الفقيد أحد الرواد العظام، كما إنه من أهم من أرخ للحركة الأدبية والثقافية في المدينة المنورة في كتب عدة أشهرها كتابه أسرة الوادي المبارك، وكانت لهم إسهامات عظيمة في التراث العربي والإسلامي، وهو من الأدباء القلائل الذين جمعوا بين الأدب كحرفة وبين العلم، بمعنى إنه لم يكن أديبًا هاويًا أو كاتبًا بل كان عالمًا من عُلماء العربية، وحارسًا من حراس التراث، وكان له دراسة عميقة بالشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وله كتابات مُتخصصة في هذا المجال مثل كتابه الشهير «الرائد في علم الفرائض»، والذي طُبع مرارًا على سنوات طويلة، وكان أحد المراجع المهمة بين الأدباء والمثقفين في هذا التخصص الشرعي الدقيق، إضافة إلى أن الفقيد عمل سنوات طويلة في مجال التعليم وتخرجت على يد أجيال من الأدباء.
ويختم فقيه بقوله: إن آثار الخطراوي باقية وإن رحل بجسده وكتبه الخالدة نبراسًا لذلك، وقد تشرف بلقائه في صالون الوادي المُبارك حيث عقد الصالون في منزله بحضور ثُلته من الأدباء والمُثقفين في المدينة المُنورة.

رحيل مضني
الكاتب طلال عبدالمحسن النزهة سكب دمعة حرى بقوله: في مثواك الأول بعد رحيلك من الحراك بشتى أنواعه وبجهدك المحبوب في صناعة الأدب.. اليوم أهل المدينة المنورة حملوك على الأكتاف وترى الوجوه واجمة مفكرة أخذتها عشرات السنين الماضية لأكثر من جيل وأنت تغرف من فكرك بعطاء كبير.. وهناك شعاع من الفرحة باقيًا في قلوبنا دون حسرة عندما أكرمك وزير الثقافة والإعلام.. لقد كان التكريم مناسبًا بالوقت.. نعترف بالتقصير أن تكون ضيفا ليليًا على مجالسنا ننهل منك القديم.. ونقارنه بالجديد.. أيها المرحوم.. الأستاذ والدكتور والأديب وجامع الكلمة.. صارعت بثروة أدبية منذ سنوات وكان اكتمال صراعك في التطوير بأنواعه ينقصه المال.. واليوم قد توفر المال ولكن اضمحل الأدب وبقي داخل صناديق الرجال لأن بعض القائمين ينقصهم العمل في اختفاء الذات.. ومشاركة الآخرين.. غبت عنك كثيرًا ولكن كنت أسمع عنك حتى خارج البلاد.. كان يتوج مقامك الصراحة والصدق والقوة والكلمة الواضحة وجهًا لوجه.. أعجبني فيك أن وضوحك ابتعد عن أمواج التدليس والتسويف والحديث في دجى الليل.. وما رغّب البعض في تلك الطريقة المثالية في بناء الأدب داخل النفوس.
ويضيف النزهة: ما انتظرك الوقت أن تعيش الأشهر القادمة في العام الجديد بين صفحات المدينة المنورة وهي تلبس الثوب القشيب لتكون عاصمة الثقافة.. وما انتظرك الوقت لننهل من علمك عندما تبدأ لدينا المراكز الثقافية لعل بعض المواقع التي تقوقع أصحابها عليها يطفئون الإضاءة وفي المكاتب ينامون.. لقد كنت صاحب حراك في المعنى قبل الكلمة.. واليوم تذهب لخطوتك الأولى في حياة البرزخ.. لن ننساك ولن ننسى أعمالك فقد سمعنا دون أن نحضر حراك ما كنت معه وأنت شابا يافعا ورغبنا معرفة المزيد عنه.. ذاك هو الأستاذ وصانع صالون الأدب ومنشئ النوادي الأدبية هو المرحوم عبدالعزيز الربيع. اليوم ننعيك ولكن النعي في التضرع إلى الله أن يجعلك من السابقين السابقين.. ويرحمك الله ويهيئ للمدينة المنورة رجال أمثالك في عهد بقي الأدب داخل الصدور ولكن الأموال توفرت. فذاك حال نعيشه بعدك ونعدك أن نقاوم حتى نكون يومًا في موقعك.

المدينة المنورة تودع أديبها "الخطراوي"

غيب الموت في المدينة المنورة أول من أمس عميد الأدباء في المدينة وأحد مؤسسي النادي الأدبي الدكتور محمد العيد الخطراوي، عن عمر يناهز الثمانين عاما، فيما ووري جثمانه الثرى في بقيع الغرقد بعد أن صلي عليه بالمسجد النبوي الشريف.
الرائد في علم الفرائض، وشعراء من أرض عبقر، وشعر الحرب في الجاهلية بين الأوس والخزرج، والمدينة المنورة في العصر الجاهلي، إلى غير ذلك من الكتب والدراسات والدواوين الشعرية، صدرت للفقيد، وهو حاصل على ليسانس في الشريعة، من جامعة الزيتونة بتونس، وبكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض، وماجستير في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية الجامعة الأزهرية بالقاهرة، ودكتوراه في الأدب والنقد من الجامعة الأزهرية بالقاهرة، كما يعد الفقيد من أهم الأعضاء في أسرة الوادي المبارك، وكان عضوا مؤسسا لنادي المدينة المنورة الأدبي، ونائب رئيس النادي سابقا، ورئيس اللجنة الثقافية (سابقا) بفرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالمدينة المنورة، منذ تأسيسه، وعضو لجنة تقويم الأنشطة الثقافية برعاية الشباب بالمدينة المنورة.

في رحيل محمد العيد الخطراوي
   

حزن جارف يغمرني لوفاة الأستاذ والصديق الحبيب الدكتور محمد العيد الخطراوي. أحسستُ بالفقد واليتم، وأخذتُ أستعيد صوته، وضحكه، وحزنه، وفرحه، وطرائفه التي هو أستاذ كبير فيها. أتذكر اتصالاته الهاتفية شبه الأسبوعية بي.. تخريجاته اللغوية.. استدعاءه للشواهد.. معرفته الواسعة بالنحو والتاريخ.. سرعة بديهته.. طريقته في الكلام.. سخطه على بعض الناس.. قهقهته المجلجلة.. شتمه لجمهور لم يصفق لقصيدة سمعها.
كنت أحس ألمه، فزعه من المرض ومن الموت، شعوره بأنه لم يُقدر حق قدره، لم يُكرم كما يليق به، وكنتُ أعجب كيف يقصر مجتمعنا في حق عالم كبير، وشاعر كبير، وباحث كبير؟ ألأنه يسكن بعيدا عن العاصمة متواريا عن الأنظار؟
أم لأنه لا يُحسن المجاملة والارتماء في الأحضان؟
لقد خدم تراث المدينة المنورة كما لم يفعل سواه. وعرفنا - من تحقيقاته - إبراهيم الأسكوبي ومحمد أمين الزُللي والنحاس، وقرأنا في كتبه تاريخ الأدب والثقافة في المدينة المنورة، منذ فجر تاريخها، أحب علماء طيبة وشعراءها ومعلميها، فقرأنا له تاريخا لـ"مدرسة العلوم الشرعية"، ولشعراء "الوادي المبارك"، ولم يمنعه المرض أن يجمع آثار محمد عالم الأفغاني ومحمد سعيد دفتردار، وأخذ بأيدينا - في مدة مبكرة - إلى "وادي عبقر" فاكتشفنا إبداع شعراء الوطن.
أما الشعر فكان شاعرا مجددا، عرف الشكلين الشعريين القديم والحديث، وخاض غمار المسرحية الشعرية، وفي معظم شعره حُزن مستكن، وإباء نفس، وفي العقد الأخير من حياته أذعن لسلطان الموت على حياته وعلى شعره، وبات شعره مسكونا بـ"أسئلة الرحيل".

حسين محمد بافقيه 2012-07-08 1:47 AM
المصدر صحيفة الوطن السعودية
الخوجة: الخطراوي شاهد عصر وأنموذج رائع لانتقاء القديم والجديد

 

الخوجة: الخطراوي شاهد عصر وأنموذج رائع لانتقاء القديم والجديد

 

ابتسام المبارك - المدينة المنورة تصوير: زاهد بخش

 

 

اعتبر الدكتور عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة وزير الثقافة والإعلام أن تجربة الأديب الدكتور محمّد العيد الخطراوي تعد أنموذجًا رائعًا لانتقاء القديم والجديد، مشيرًا إلى أن الخطراوي يعد شاهدًا على العصر، ومربيًا كبيرًا، داعيًا إلى الاهتمام بتجربته. قائلًا: حين نستعرض مسيرة الدكتور الخطراوي نجده مجودًا في كل ما كتب ونظم وحقق وهذه مهمة صعبة وهو ما تحقق في أديبنا الذي نحتفي به. جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها معاليه في حفل التكريم الذي أقامه نادي المدينة المنورة الأدبي تحت رعاية وزير الثقافة والإعلام تكريمًا للدكتور الخطراوي، حيث شهد الحفل العديد من الكلمات، وندوة أدبية تحت عنوان “الخطراوي وجهوده في خدمة تراث المدينة المنورة الثقافي والأدبي” شارك فيها الدكتور عبدالله عسيلان رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي، الدكتور نايف الدعيس عضو مجلس الشورى السابق، والناقدة أسماء أبوبكر، والدكتور عبدالله سليم الرشيد، والدكتور سليمان السناني فيما أدار الندوة محمد الدبيسي. اُستهل الحفل بكلمة نائب رئيس أدبي المدينة محمد بن ابراهيم الدبيسي لفت فيها إلي جهود الخطروي الكبيرة في تأسيس النادي الأدبي كما نوه بأسرة الوادي المبارك وأثرها علي مسيرة النادي، ثم أعقبه الدكتور الخوجة بكلمة أشار فيها إلى أن الخطراوي خصص جزءًا كبيرًا من جهده للتاريخ والتوثيق. كما طلب من النادي أن يعمل على توثيق الندوة التي صحبت تكريمه لتصبح مرجعًا أدبيًا ذاخرًا يتم الرجوع إليه من الباحثين.. بعد ذلك ألقى المشاركون أوراقهم التي تناولت تجربة الخطراوي بكافة جوانبها، ابتدرتها الدكتورة أسماء أبوبكر أستاذ الأدب والنقد المشارك بجامعة طيبة تناولت فيها التجربة الشعرية عند الخطراوي في قضايا شعرية بارزة أهمها الشعر الوجداني والعاطفي وقضايا المرأة وقضايا الغربة وقضايا القومية العربية والانتماء المكاني ليجد القارئ نفسه أمام شخصية موسوعية، ناقدًا أكاديميًا، ومبدعًا متمايزًا عينه على النقد وأحاسيسه ومشاعره مع القصيدة، مشيرة إلى أن الخطراوي مثله مثل كثير من شعراء المملكة العربية السعودية، لم توفّهم الحركة النقدية قدرهم ويرجع ذلك لعدم اتساعها وعدم تشعبها حيث لا توجد دراسة نقدية مستقلة تناولت شعر الشاعر إلا من بعض المقالات والدراسات القصيرة المضمومة لغيرها من المقالات النقدية المنشورة في المملكة العربية السعودية. فيما أوضح الدكتور سليمان بن سالم السناني أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود أن الخطراوي صاحبُ كتابِ الرائد في علم الفرائض المقررِ على طلبةِ المعاهدِ العلمية، هو ذاتهُ الذي يصلُ إلينا صوتهُ عذبًا نديًّا عبر الأثير في برنامجِ (بين شاعرين ) لنَجِدَ أنفسنا أمام النابغة في قُبتهِ يقسّم النقدَ بين الشعراء. أما الدكتور عبدالله بن سليم الرشيد أستاذ الأدب والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقدم ورقة بعنوان (قالات الخطراوي: الطرافة والظرافة) ابرز فيها جوانب الجنس القاليّ (المقالي) عند الخطرواي وذكر انه مجمع بحور، ففيه إيماءات شتى إلى معان وآراء، وفيه تناص جليّ وخفي، وفيه تداخل بين النثر والشعر، وفيه شعر كالنثر، ونثر كالشعر، وفيه أوجاع وأوصاب، وآلام وآمال، وكلّ ذلك مسوق في لغة عالية ونمط من الترسّل الإنشائي. واصفًا الخطراوي بأنه مجموع أدباء في أديب. رئيس أدبي المدينة عبدالله عسيلان أخذ وقفة مع الدكتور الخطراوي في تحقيق المخطوطات وسلط الضوء على جهوده في تحقيق المخطوطات، وتأمل قائمة مؤلفاته، مشيرا إلى أن الخطراوي في اختياره للكتب التي حققها ركز على تراث المدينة المنورة بشكل كبير ، وخاصة التراث الأدبي المتمثل في تحقيق ونشر بعض دواوين شعراء مشهورين في المدينة المنورة ابتداء من القرن الحادي عشر إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى جانب عنايته بكتب السيرة النبوية. كما أبدى عضو مجلس الشورى السابق الدكتور نايف الدعيس استغرابه بالإشارة إلى أنه على الرغم من كثرة المعجبين بعطاء الدكتور الخطراوي إلا أنهم لم يتحدثوا عن علاقته بمنتدى الدكتور الدعيس إذ كان من مؤسسيه الأوائل عند النشأة الأولى وعند انتقاله لدارة الأستاذ أمين مدني ثم بعد عودته إلى مقره الجديد بسلطانة وقد تم تكريمه في منتدى الدعيس يوم السبت 19-7-1417 هـ وبحضور صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبدالمجيد. عقب ذلك تحدث المحتفى بها الدكتور محمد الخطراوي في كلمة مختصرة شكر فيها النادي الأدبي على بادرته الجميلة في تكريمه مبينًا أن ذلك ليس بمستغرب عليه في تكريم الأدباء والمثقفين، كما شكر وزير الإعلام على تشريفه حفل تكريمه وذكر تفاصيل بعض ما كان يربطهما من ذكريات قبل حقبة من الزمن. أعقب ذلك تكريم الخطرواي من عدة جهات؛ ممثلة في أدبي المدينة، وجامعة طيبة، والجامعة الإسلامية، ونادي الرياض الأدبي، وبعض الهدايا من الأفراد.

 

المصدر: جريدة المدينة

http://www.al-madina.com/node/285536


 

 

بحضور وزير الثقافة والإعلام .. أمسية الوفاء لتكريم الخطراوي

بحضور وزير الثقافة والإعلام .. أمسية الوفاء لتكريم الخطراوي

 

 

 

المدينة المنورة - جازي الشريف :

بحضور معالي وزير الثقافة والاعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة احتفى النادي الادبي بالمدينة المنورة مساء امس الأول الثلاثاء بالاديب المبدع الدكتور محمد عيد الخطراوي وحضر هذا الحفل معالي امين المدينة المنورة المهندس عبدالعزيز الحصين ومعالي مدير جامعة طيبة الدكتور منصور النزهة وعدد كبير من الادباء والمفكرين.

وقد بدأ الحفل بالقرآن الكريم وقاد الحفل نائب رئيس نادي المدينة المنورة الاستاذ محمد الدبيس الذي تحدث عن لمحات من سيرة الخطراوي.

 

وبعد ذلك القى معالي وزير الثقافة والاعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة الكلمة التالية:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين.

أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة

زملائي الاعزاء رئيس واعضاء مجلس ادارة النادي الادبي بالمدينة المنورة

أديبنا الكبير الدكتور محمد العيد الخطراوي

الحفل الكريم

الاخوة والاخوات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد

ما أسعدني هذه الليلة بشرف زيارة هذه الارض الطيبة المدينة المنورة التي يفوح ترابها طهراً وعبقاً، وما أشد شوقي إلى مسجدها النبوي الشريف والى قبر معطر بمن أرسله الله - تبارك وتعالى - رحمة للعالمين والى نفحات قدسية انسابت في اروقتها وأزقتها وآطامها ففاح عبير الرسالة وانطلقت مواكب النور من ها هنا، فنعمت البشرية بنور الله ورسالة السماء.

وها انني التقى وجوها أغبطها على أن شرفها الله - تبارك وتعالى - بهذا الجوار الكريم يتنسمون هواء عذباً ويمتحون من طيب المكان وبركته فهنيئاً لكم هذا الشرف الذي بوأكم الله اياه.

الاخوة والأخوات

هذه دعوة أجبتها فرحاً بها ومتشوقاً اليها وحرصت عليها ودفعني الى ذلك المكانة الرفيعة التي تحتلها هذه الشخصية الأدبية والعلمية التي نلتف الليلة حولها ممثلة في اخي الاستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي - حفظه الله - وهو رجل يقصده الأدباء والعلماء وطلاب العلم لما حباه الله - تبارك وتعالى - من بسطة في العلم ووفرة في التصنيف والتأليف ولتلك النفحة الشعرية التي تجلت فيه فكان انموذجا رائعاً للشاعر والعالم والفقيه والباحث والمؤرخ والمحقق وكأنه في حياته العلمية ودأبه في البحث والتأليف مصداق لقول الشاعر القديم:

 

ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

ولا غرابة في ذلك فهو انموذج رائع لالتقاء القديم والجديد في شخص واحد عرف القديم وقتله معرفة وفهما وتعمق في الجديد حتى اصبح رائداً من رواده وفي الدكتور الخطراوي تتجلى تلك التعادلية في اعلى ذراها فهو سليل المتون العلمية التي عرفها في جامعة الزيتونة وجامعة الازهر وهو ابن المناهج الحديثة التي عرفها في جامعة الملك سعود فاستطاع بصياغة بديعة ان يكون جديداً وقديماً في وقت واحد واستطاع بذلك ان يملأ حياتنا الأدبية والثقافية شعراً وبحثاً وتأليفاً في صورة تعيد الى اذهاننا تلك الصفوة المباركة من أسلافنا الذين اضافوا الى تراق الانسانية ما تزهو به ثقافتنا العربية والاسلامية.

 

الاخوة والأخوات

حين أستعرض المسيرة الادبية والقافية لاديبنا الكبير الدكتور محمد العيد الخطراوي أجده مجلياً مجوداً في كل ما كتب ونظم وألف وحقق وهذه مهمة صعبة للغاية ان تبدع في حقول مختلفة وهذا ما تحقق بلا مراء في اديبنا الذي نحتفي الليلة به عرفناه وجد بغيته في علم المواريث وألفيناه مؤرخاً يؤرخ لهذه المدينة المنورة بسيد ولد آدم - صلى الله عليه وسلم - يبحث في تاريخها الأدبي والثقافي منذ فجر التاريخ ويوثق تاريخها الثقافي والادبي في حاضرها العظيم ويحقق تحفا من المخطوطات التاريخية والادبية المتعددة ويمنح مدينته العظيمة جانباً مباركاً من جهده فأخرج عدداً من دواويين شعرائها قبل عصرها الحديث فيرى الناس المدينة الشاعرة بشعرائها العظام المجددين.

 

ولانه وريث واديها المبارك (وادي العقيق) نراه يخصه بدرس واسع في كتابة الوثائق عن (أسرة الوادي المبارك) الذي كان أديبنا الخطراوي عضواً بارزاً فيها ثم نجده بعد حين مكبا على مجلة المنهل يستخرج من صفحاتها أدب عدد من أدباء المدينة المنورة كمحمد سعيد دفتردار ومحمد عالم أفغاني.

ولانه شاهد على العصر ولانه مرب كبير واستاذ جامعي بارز يعرف للتربية دورها يقف جانباً من جهده العلمي للتاريخ والتوثيق لمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة هذه المدرسة التي كانت حدثا مهما في الحياة العلمية والثقافية في طيبة الطيبة.

ولانه وريث الادباء الظرفاء في الحجاز كالعرجي وابن ابي عتيق فقد منحه الله من أدب النفس ما جعله خفيف الظل، حاضر النكتة سريع الجواب وانعكس ذلك على مصنفاته فكتب في (الأفاشير) كتاباً طريفاً يدل على ظرفه وبساطته هو يقدم لنا عالماً محققاً مدققاً يقتنص الشوارد فيقيدها ويعيد تقديمها الى القارئ العربي خفيفة لطيبة.
وهو ناقد كبير يتمتع بمعرفة مذهلة بالشعر العربي ويكفي هنا ان اشير الى كتابه القديم (شعراء من أرض عبقر) هذا الكتاب الذي اصبح اليوم من المراجع المهمة في دراسة الشعر السعودي الحديث ويكشف فيه ناقدنا الخطراوي عن ذائقة جمالية عميقة تقرب الشعر والجمال الى كل من رام معرفة بالشعر والذوق والجمال.

وفي الشعر كان الدكتور محمد الخطراوي شاعراً كبيراً منحته ارض عبقر اجنحة فحلق بها في سماء الشعر واستطاع في مسيرته الشعرية الطويلة ان يكون مثالا رائعاً للشاعر الحقيقي فأمسك بالتجربتين القديمة والحديثة في صورة تعكس صالح القديم والجديد في شعره وكانت دواوينه الكثيرة انموذجا لدأبه على الاصالة والتجديد في القصيدة الغنائية او المسرحية الشعرية او الملحمة الطويلة وكان في كل ذلك شاعراً يهب الشعر حسه وشوقه للجمال والفن والابداع وما يخلت عليه اصداء عبقر بذلك فأصبح من دون مبالغة واحداً من اهم الشعراء العرب المعاصرين.

 

أخي العزيز الشاعر الكبير الدكتور محمد العيد الخطراوي

انني احيي فيك روح الشاعر الكامنة فيك وانا جد مغتبط بتجربتك الشعرية الثرية فهي تجربة عميقة تنم عن مقدرة ادبية وجمالية ثرة فشعرك امتداد للشعراء العرب الكبار في عصرنا الحديث ابداعاً وثقافة واصالة وتجديداً واتصور ان الاجيال الشعرية ستفيد الكثير والكثير اذا ما اتخذت تجربتك طريقاً لها الى الابداع وانا شخصيا دائم التأمل في تجربتك الغنية ويشدني اليها تنوعها فتارة اجدك ذلك الرومانسي العاشق وتارة اجدك الموغل فرحا ضاحكا حد السخرية حزيناً حد البكاء والتشاؤم وما ذلك الا لما انطوت عليه روحك الفنانة من رهافة حس وهي كالاسفنجة تمتص ألم الامة وفرحها وبكاءها فلله انت ايها الشاعر الكبير كم افرحت وكم ابكيت! وان كنت يا صديقي العزيز لا احب لك نغمة الحزن المرير الذي احاط باشعارك الاخيرة فكانت نفحة شعرية باكية مبكية وبالله عليك ايها الشاعر الكبير لا تبتئس فنحن نحبك ولا تحزن ولا تجزع وان كنت في حزنك شاعراً مجلياً كما في فرحك وكبريائك وصولتك.

 

وأنا ياصديقي اصدقك القول ان روح الشاعر اكثر من غيره تحس بذلك التغير والتبدل الذي يطال حياتنا، فينبري الشعر بصوته الصادق المرهف مندداً بما ألم بحياتنا من شحوب ويباب، فلا نملك الا ان نردد معك ونحن ندفع الخواء عن حياتنا ما قلته ذات يوم:

 

نعم ما يزال المغني يوزع في السوق

ضمن أغانيه أغنية فاسدة

يهربها في حقيبته اليدوية
في جيبه.. في ثنايا الثياب

ويهرش اصداءها وهي تعبر نحو المسامع

خَوفَ عُيُون الرقيب..!

وتغدو وثَيقة..

تُجابهنا في جميع المرافئ

تُرهقُ أسماعنا بالهُراءِ

يُهادي بها الليلُ كُل قراصنة البحر

تنقد شطرين فوق العراء

وتلتذ بالصرصر العاتية..!

وللطبل والزمر في الحي قصة

يطول بها الشرحُ

ينزفُ من هولها الجُرحُ

يلتبسُ الأمر حتى على العازفين

 

وأهنأ أيها الشاعرُ الكبير فلا تزال الخيل العربية شامسةً حرُوناً أبيةًً، ولن يستطيع مغامر أو مقامر أن (يختم على الترقوة والمعصم) ما دام هناك شعر عربي يبعث على المروءات، وما دمت أيها الشاعر الكبير (تثرثر على ضفاف العقيق)! وما دمت تبحث في (تفاصيل خارطة الطقس) عن معنى للحياة، معنى للوجود، في كونك الضاج بالخواء والهُراء، فتجد ذلك المعنى نقياً بهياً في طيبة الطيبة المُباركة، فشدوت ذات قصيدة تائهاً، وحُق لك ذلك، وأن تقول: (أنا في طيبة):

 

أنا في طيبةٍ أتيهُ على الدهـ

ــــر.. وأمشي على رؤوس الليالي

حاملاً مشعل الفخار أغني

بشموخ في موكب الآمال

هامتي في العلى تُباهي الثريا

ويدي تستبيح دُنيا المُحال

عن يميني الشموس تمضي نشاوى

والبدور الوضاء حذو شمالي

وهرقل يسير من خلف كسرى

عجبا من مهابتي وجلالي

يسألان الأعراب عن سر فخري

وطموحي وروعتي في المقال

فترد الأيامُ.. هذا فخور

بتراث الرجال إثر الرجال

إنه شاعر بأحمد يشدو

وبأصحابه بناة المعالي

لا تلوماهُ إن تباهى وغنى

في حمى طيبة لحونَ الجمال

 

 

الإخوة والأخوات

لنا أن نتباهى، في هذا الوطن الغالي، بالشاعر العلامة الدكتور محمد العيد الخطراوي، ولنا أن نفخر به، وبقيمته الأدبية والعملية.. وأتصور أن أحب ما يرجوه الأديب والمثقف لنفسه هو أن يشعر باستفادة المجتمع والإنسانية من ابداعه، فهو لم يكتب ويعذب نفسه ويجهدها إلا توقاً لعالم يحفل بالخير والحق والجمال.

ونحن ، الليلة، في حضرة شاعر ومثقف وهب نفسه لأعظم معاني الحياة: دينه ووطنه وأمته وعالمه، وإنني أكاد أحس بلسان حال شاعرنا الكبير الدكتور محمد العيد الخطراوي، مردداً قول شاعر النيل حافظ ابراهيم:

 

شكرتُ جميل صنعكم بدمعي

ودمع العين مقياس الشعور

لأول مرة قد ذاق جفني

- على ما ذاقهُ- دمع السرور

 

وأنا سعيد بهذا الاحتفاء، احتفائنا برمز أدبي كبير، في ضرب من الوفاء تقدمه طيبة الطيبة لأديبها الكبير، ويقدمه نادي المدينة المنورة الأدبي لرجل منح هذا النادي جزءاً عزيزاً من حياته، وأتمنى أن يعمل هذا النادي على توثيق أوراق هذه الندوة حتى تصبح مرجعاً مفيدا عن جهود الدكتور محمد العيد الخطراوي الثقافية والادبية في تراث المدينة المنورة، وأشكر للمشاركين في هذه الندوة عنايتهم بأدب هذه الشخصية الجليلة، كما أرجو أن تزداد العناية بإبداع الدكتور محمد العيد الخطراوي الثري المتنوع وأن تحث أقسام الآداب في جامعاتنا طلاب الدراسات العليا باستكشاف القيم الأدبية الرفيعة التي ينطوي عليها أدبه، وأن يخصص نقاد الأدب لدينا جانباً من جهودهم لشعر هذا الشاعر الكبير، لما امتاز به شعره من أصالة وابداع وعُمق في التجربة.

وفي الختام: أقول لأديبنا الشاعر العلامة الدكتور محمد العيد الخطراوي: شكراً لك أن منحتنا هذا الجمال..

شكراً لك على شرف وقوفك على ثقافة المدينة المنورة وأدبها..

شكراً لك على أن نثرت الحُب في طريقنا،وعلمت الأجيال كيف يكون الشعر، وكيف يكون البحثُ، وكيف يكون التأليف..

شكراً لك من أجيال تعلمت على يديك، فعرفت في المدرسة تذوق الشعر، وحب العربية، وعرفت في الجامعة أصول المنهج وأدبيات البحث والتأليف..فكان منهم الفقيه والمفتي والوزير والأديب والباحث والمحقق..

شكراً لك تقولها آطام المدينة المنورة وأحواشها، واروقتها ، وبساتنيها..

وهنيئاً لك هذا الحب الذي استشفه كل من حضر هذه الاحتفالية البديعة..

وشكراً لناديك نادي المدينة المنورة الأدبي على وفائه لك، وأنت أهل لهذا الوفاء وهذا التكريم..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الخطراوي وخدمة التراث

بعد كلمة معالي وزير الثقافة والاعلام -فعاليات الندوة التي خصصت عن الدكتور الخطراوي بعنوان "الخطراوي وجهده في خدمة تراث المدينة المنورة الثقافي " حيث افتتحت هذه الندوة الدكتورة أسماء أبوبكر تحدثت عن سيرة حياته الشعرية وتنوعه في الأدب وما حققه عن المرأة وقالت انه يستحق التكريم منا ومن الأجيال القادمة.

وبعد ذلك تحدث الدكتور عبدالله سليم الرشيد الذي ذكر العديد من ابحاث الخطراوي واثرائه للساحة الثقافية والشعرية والبحوث القيمة ثم الدكتور سليمان السناني الذي قال اننا لن نستطيع ان نعطي الخطراوي حقه في هذا التكريم لأن ما قدمه كان أكبر من هذه المناسبة.

بعد ذلك تحدث الدكتور عبدالله العسيلان الجوانب العلمية والتحقيقات العلمية التي نشرها الخطراوي ومساهماته الادبية المتنوعة في نادي المدينة الأدبي.

بعد ذلك تحدث الدكتور نايف الدعيس عضو مجلس الشورى سابقاً والأديب والكاتب المعروف الذي أوضح شيئاً من سيرة الخطراوي منذ البدايات البسيطة في مقتبل عمره في الأدب ومراحل تأسيس المنتديات الادبية وبعد ذلك تعلمه في الخارج والداخل ثم مرحلة التدريس في الجامعة الاسلامية وكلية التربية بالمدينة المنورة وأكد أن الخطراوي ليس انساناً عاديا انه عالم وأديب ويمتلئ صدره شعراً بل الشعر امتلأ به.

بعد ذلك تحدث الدكتور محمد العيد الخطراوي وشكر معالي وزير الثقافة والاعلام ومشاركته في هذا التكريم وشكر نادي المدينة المنورة الأدبي وتحدث بايجاز عن عدد من محطاته الأدبية والقاء بعض المقاطع من قصيدة شعرية عن المدينة المنورة.

 

بعد ذلك بدئ حفل التكريم حيث تسلم من معالي وزير الثقافة والاعلام درعاً من نادي المدينة المنورة الأدبي بعد ذلك درعا من أمانة المدينة المنورة قام بتقديمه له معالي أمين المدينة المنورة المهندس عبدالعزيز الحصين ثم درعا من جامعة طيبة قدمه مدير الجامعة معالي الدكتور منصور النزهة ثم درعا من الجامعة الاسلامية قدمه وكيل الجامعة الدكتور أحمد كاتب ثم هدية من نادي الرياض الأدبي وهدية من الاستاذ محمد صنيتان وهدية من الدكتور حمدان بن راجح وبعد ذلك قدم رئيس النادي الأدبي الدكتور عبدالله العسيلان درعاً لمعالي وزير الثقافة والاعلام.

الجدير بالذكر أن للخطراوي مساهمات أدبية جمة في خدمة تراث طيبة الطيبة فهو من الأعضاء المؤسسين لنادي المدينة المنورة الأدبي وشغل لعدة سنوات منصب نائب رئيس النادي وكان عضواً فعالاً في اللجنة المركزية التي اهتمت بالمحافظة على الآثار في طيبة الطيبة.

وقد أثرى الأديب محمد العيد الخطراوي الساحة الثقافية بالعديد من انتاجه الأدبي سواء دواوين شعرية أو بحوثاً وأطروحات في الحياة الاجتماعية لطيبة الطيبة وفي القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية بالاضافة إلى ذلك قام بتحقيق في العديد من كتب التراث وبعض دواوين شعراء المدينة المنورة.

ولعل على سبيل الذكر وليس الحصر نذكر أبرز هذه الاصدارات - ملحمة شعرية في حياة الملك عبدالعزيز وتفاصيل خارطة الطقس وديوان غناء الجراح وله أكثر من 30 اصداراً بين شعر وأعمال نثرية.

قصيدة للخطراوي من ديوانه

على أعتاب المحبوبة

على ضفاف البيان

هذه ليلة يتيه بها الشعـــرُ

ويزهو على ضفاف البيان

تتحدى الآفاق شرقاً وغرباً

بمذاخير من عقود الجمان

ايه يا "ابن الخطيم" و "ابن جلاح"..!

قلداني جمانها قلداني

واستقياني رحيق "يثرب" صرفاً

وانفحاني من عطرها الريان

فلعلي أعيد "للشوط" ذكرى

تنعش "الأوس" في حمى "بُطحان"

ولدى "الخزرج" الكرام أوافي

مجمع الفخر في يدي "حسان"

وبنات النجار يهزجن حباً

وابتهاجاً بالموكب النوراني

طلع البدر بالضياء علينا

قلنها، فانتشى فؤاد الزمان

ومضى موكب الرسول، فطابت

"طيبة" بالصحاب والإخوان

 

***

هذه ليلة يلذ بها القو

ل، وتصفو لخاطر الفنان

تتلاقى عرائس الفن فيها

بعناق مجنح، وافتتان

لكأني بعود "عزة" جاست

عبر أوتاره أكف الحسان

فتوالت انغامه ماتعات

مائجات بأعذب الألحان

وكأني بـ "معبد" و "غريض"

سرقا النوم من عيون الغواني

بغناء موقع عبقري

في عراص "العقيق" دون عنان

فـ "العقيق" العريق عادت إليه

صبوات الشباب والعنفوان

اين "جيرون" منه إما تلاقت

أمنيات الآلاف والخلان..؟؟

هذه ليلة أعادت إلينا

سالف المجد وارف الأفنان

ضمخت مفرق الأطوم، وراحت

تتقرى هشيمها في حنان

وتضم الشتات علَ بنيها

يشحذون الأكف للبنيان

ومضت تخلص الحديث لـ "سلع"

عن صباها، فتسعد "اللابتان"

كيف كان "الخزارج" الصيد فيها

يوردون اليهود ورد الهوان

علموهم بأن للعرب ثأثراً

ما ثنى عزمه مرور الزمان

ثم جاء الإسلام فانحسر الدا

ءُ، وماجت ساحاتها بالمثاني

وغدت "طيبة" به خير دار

ومنار للعدل والإيمان

ملكت ذروة الفصاحة طرا

ببيان الحديث والقرآن

والثقافات اشرقت في ازدهاء

والبطولات زمجرت في المغاني

واذا "طيبة" جهاد وفتح

وانطلاق في المنهج الرباني

بيضة الدين أصبحت أي شأن

لبني الفرس، أو بني الرومان..!!

فبنوها ما بين راكب خيلٍ

للقاء الأعداء والأقران

وفقيهِ، وشاعرِ في ندي

يتباهى بروعة الأوزان

يا لحا الله يوم أنحت عليها

حادثات الأيام بالنسيان

يوم أن عقها الزمان، فباتت

أمنيات صريعة الكفران

***

هذه ليلة أعادت إلينا

تالد المجد شامخ البنيان

مثل عود الطيور للروض لما

أمنت من غوائل العقبان

فهي من أمنها تروح وتغدو

صادحات على ذرى الأغصان

نحن نحيا بظل عهد سعيد

يوم عز مفوف الأردان

عاد للربع عزه فأصيخي

يا معالي، ورفرفي يا أماني

واشهدي "النادي" الفتي يوالي

خطوه للعلى بغير توان

ويغني الآداب أحلى نشيد

لشيوخ البلاد والفتيان

وينادي في فرحة وابتهاج

مرحبا بالضيوف والخلان

من هنا شعشع الصباح قديما

وهنا نرقب الصباح الثاني

 

المصدر: صحيفة البلاد

http://www.albiladdaily.com/news.php?action=show&id=70510

تكريم الخطراوي يفتح ملف تغييب الرموز الثقافية

 

تكريم الخطراوي يفتح ملف تغييب الرموز الثقافية

بافقيه: الخطراوي أديب ضيعه قومه ويستحق جائزة الملك فيصل الدولية

 

 


المدينة المنورة: خالد الطويل

ندوة تكريم الأديب محمد العيد الخطراوي التي أقامها نادي المدينة الأدبي بمشاركة عدد من مجايلي تجربته، تفتح ملف تغيّب "الرموز الثقافية" في المملكة، وتطرح سؤالا حول ما يسميه البعض "عدم الالتفات لأسماء ثقافية مهمة، في منصات تكريم الوطن الكبرى كالجنادرية، وكذلك جائزة الملك فيصل العالمية، بما يتواكب مع مكانتهم العلمية، التي يكشف عنها عطاؤهم الثر في مرحلة مبكرة، في شتى صنوف المعرفة وميادين الأدب والثقافة"، وهو الإشكال الذي يطرحه الناقد حسين بافقيه، والذي يرى أن الخطراوي "عالمٌ ضيعه قومه".

عالم ضاع!

يشير الناقد حسين بافقيه، وهو يتحدث عما تعني له ندوة تكرم الخطراوي بعد كل هذا العطاء، إلى "أننا ما زلنا نتعامل في الساحة الثقافية عبر أسلوب المركز والهوامش، كما أن هناك مدنا تعتبر رئيسة، وهناك أدباء ومثقفون يطلون علينا في الساحة الثقافية ينتمون لهذه المراكز. بافقيه وصف الخطراوي بـ"الكبير جدا في ثقافتنا العربية، وليس ثقافة هذا البلد"، معترفا بقوله "لقد قصرنا كثيرا في حقه"، ومضيفا "أخشى أن أقول إنه عالم ضيعه قومه. حيث إننا لم نحتفل بالخطراوي كما ينبغي، ولم نستفد من أطروحاته العلمية، فهو مجموعة مواهب اجتمعت في رجل واحد". معتبرا أنه "يفاجأ الواحد فينا حين يقرأ جريدة مؤلفات الخطراوي. حيث إننا أمام رجل وفقيه وأديب ولغوي شاعر وباحث ومربٍ، وهي الصفات التي قلما تجتمع في شخص واحد، حيث ينتمي الخطراوي لذلك الجيل من العلماء الكبار".

تكريم مرتقب!

في هذا السياق، استغرب بافقيه من "عدم التفات الجنادرية لمحمد الخطراوي حتى الآن، كي يكون الشخصية الثقافية التي تحظى بتكريم رفيع المستوى كما حصل مع غيره"، متمنيا أن "يحصل الخطراوي على جائزة بحجم جائزة الملك فيصل العالمية"، ذاهبا بحسب رأيه إلى أن "من حصل عليها ليس أكثر علما ولا إبداعا من الخطراوي".

 

ظاهرة بالمعنى الدلالي

نائب رئيس نادي المدينة الأدبي محمد الدبيسي، ذهب إلى أن الخطراوي يعد "ظاهرة بالمعنى الدلالي الكامل لهذه المفردة، ظاهرة لخروجها عن النسق المعتاد لتكوين أدباء جيله، باعتبار تأسيسه العلمي التعليمي، وشمولية إنتاجه لجل أنساق العلوم الإنسانية، ولانفتاحه كذلك على الأجيال والمراحل، مما يجيز لنا أن نعده عالما موسوعيا". معتبرا أن "المفارقة هنا، أن أول إصدار له كان في علوم الشريعة من خلال كتابه (الرائد في علم الفرائض) الذي كتبه قبل أكثر من نصف قرن، ليواصل التأليف بعد ذلك عن الحركة الأدبية في العصر الجاهلي في كتابه (شعر الحرب بين الأوس والخزرج) وهو بحثه في الماجستير، ثم عن الحركة الأدبية في المدينة المنورة في العصور التي تلت ذلك العصر. كما كتب الشعر وفق نظام القصيدة البيتي، حتى عده النقاد من أبرز شعراء المملكة في هذا السياق في مجموعات قاربت العشر. وكتب شعر التفعيلة منفتحا على آفاق القصيدة الحديثة، التي كتبها باقتدار بما يعكس وعيه بالحساسية الشعرية الحديثة". يضاف إلى كل ما سبق بحسب الدبيسي "تحقيقه دواوين شعرية لشعراء مدنيين بارزين، كالأسكوبي والزللي، كما حرر إسهامات كتّاب القصة كالأفغاني والدفترار، وأرخ لأسرة الوادي المبارك وقدم برامج إذاعية وتلفزيونية أدبية، إضافة إلى إنتاجه الذي يقرب من 40 كتابا. وهذا الشمول العددي تصاحبه جودة النوعية". واصفا الدكتور الخطراوي بـ"البقية الباقية من روادنا، الذين شكل حضورهم علامات فارقة في مسيرة الأدب والثقافة في مسيرة هذه البلاد".

الأدب المديني

"الدكتور محمد العيد الخطراوي، يعد آخر الأدباء الكبار في المدينة المنورة، المسكونين بهاجس الأدب، المتجسِّد في انهمامهم البيّن بمنابته، ومؤازرتهم لشداته، وسعيهم الحثيث إلى ملابسة كل طريق يؤدي إليه"، هذا ما يراه عضو نادي المدينة الأدبي الشاعر عيد الحجيلي، معتبرا أن "مما أسهم في تكوين هذه الصورة الوضيئة لروادنا المدينيين، فهمهم الصحيح لكينونة الأدب الحق، بالإضافة إلى انتمائهم الواعي لحضارتهم ووطنهم، وإحساسهم العميق بمكانة المدينة المنورة، التي يرون أنها حقيقة بمضاهاة عواصم ودول مجاورة". واجدا أن "الخطراوي يمتاز عن أبناء جيله، بغزارة إنتاجه ووفرته في غير منحى وغير اتجاه".

محاولة لفهم القرآن

الباحث محمد الكاف، الذي أشرف على خروج عدد من مؤلفات الدكتور محمد الخطراوي، رأى أنه يحسب للأخير "إخراجه العديد من المؤلفات المدنية، وتراجم لأعلام وشعراء وأدباء مدنيين" مشددا على أن من أهم ما قام به في الفترة الأخيرة أنه "ختم مؤلفاته بتفسير للقرآن، حاول فيه اكتشاف نظرية جديدة في فهم القرآن". وعن أسلوبه الكتابي ذهب الكاف إلى أن كتاباته تتميز بـ"الجدة والأصالة والتميز".

 

شخصية ملتبسة

"يعتبر الخطراوي في جيله من النوع الملتبس، كالتباس الشيخ علي الطنطاوي بين كينونة الأديب وذهنية الفقيه، وكالتباس طه حسين بين الجامعية (الأكاديمية) والأدبية"، هذا ما يقوله عضو نادي المدينة الأدبي الناقد نايف فلاح الجهني، مضيفا أن "هذا الالتباس هو ما برّزه على كثير من الأدباء والمثقفين، فلست تجد باباً من أبواب المعرفة إلا وللخطراوي شاهد إليه يشير، وحسبك أنه ممن انتهت إليه الريادة في علوم العربية".


المصدر: الوطن أونلاين
http://www.alwatan.com.sa/Dialogue/News_Detail.aspx?ArticleID=39516&CategoryID=4

 

الدبيسي يجمع أحباب الخطراوي في كتاب

الدبيسي يجمع أحباب الخطراوي في كتاب

 محمد باوزير - جريدة الرياض

    أبرز ما يميز كتاب «الخطراوي في آثار الكاتبين» لمعده الناقد الأستاذ محمد الدبيسي، أنه جمع بين الحسنيين حيث جمع بين الاحتفائية والمناقبية من جهة وبين البحوث والدراسات المنهجية.

وقد جاءت فكرة الكتاب من قبل المعد الذي طرح على الأديب والباحث الدكتور محمد العيد الخطراوي أن يدون بعضاً من ذكرياته في التعليم والتأليف التي تقترب من نصف قرن، فما كان من الدكتور الخطراوي إلا أن اقترح على تلميذه البار محمد الدبيسي أن يجمع ما كتبه بعض أحبابه من أدباء ونقاد وشعراء، فكان هذا الكتاب.

الكتاب الذي جاء في خمسمائة صفحة وأصدره نادي الجوف الأدبي الثقافي في حلة قشيبة، افتتح بمقدمة كتبها الأستاذ الدبيسي عن الخطراوي «التجربة والموقف» أحاط فيها بحياة الخطراوي العلمية والعملية والتأليفية من شعر ودراسة وتحقيق وبحث وصلت إلى تسعة وأربعين عنواناً. هذا وقد نهض الكتاب في مجمله على ثلاثة فصول حمل الفصل الأول الدراسات النقدية وضمت جمهرة من النقاد والباحثين الذين وقفوا أمام تجربته الكتابية وكان من أبرزهم محمد صالح الشنطي ونذير العظمة ومسعد زياد ومحمد عفيفي وأسماء أبوبكر، في حين حمل الفصل الثاني جملة من المتابعات والتعليقات التي دبجها طائفة من النقاد والأدباء، أذكر منهم عبدالفتاح أبومدين ومحمد حسن شراب ومحمد الدبيسي ومحمود تراوري وخالد الأنشاصي وعبدالحفيظ الشمري وسهام القحطاني وعبدالملك مرتاض وأحمد زين وعبدالسلام حافظ وعائشة جلال الدين. أما الفصل الثالث والأخير فقد خصص للمقالات التي تناولت شخصية الأديب والشاعر الخطراوي، وفي هذا الشأن كتب كل من محبيه عاصم حمدان وعبدالرحمن الأنصاري وعبدالله عسيلان وعبدالله بن ثقفان وعبدالله الحيدري ومحمد المنقري وطه وادي وعبدالله الحميد ومحمد البليهشي ومحمد السحيمي ومحمد بن صنيتان وعبدالله الوشمي وأمل زاهد وعالي القرشي وزاهر عثمان وخالد الطويل وأسماء الأحمدي ومحمد الكاف وأحمد سماحة وآخرين. يأتي هذا الكتاب والعلامة الخطراوية يرفل في عامه السابع والسبعين بعد أن سلخ شطراً كبيراً من عمره بين أروقة الجامعة والتحصيل العلمي والتأليف الأدبي وقاعات المحاضرات وقوافي الشعر العربي مدوزناً أروع القصائد، فما أجمل أن يخرج هذا المصنف الكبير في حياة أبي طارق - متعه الله بوافر الصحة والعمر المديد - وهو يشاهد هذه الحفاوة ويبصر هذا العشق في قلوب أحبته ويلمس بعضاً من وفائهم له

المصدر: جريدة الرياض
الاثنين 22 جمادي الأخر 1430هـ - 15 يونيو 2009م - العدد 14966 



الخطاب الشعري بين المعاصرة والتراث

الخطاب الشعري بين المعاصرة والتراث

قراءة نقدية في (تفاصيل في خارطة الطقس)

للشاعر الدكتور محمد العيد الخطراوي

بقلم الدكتور مسعد محمد زياد *

٢٢ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٧م

 

مدخل تنظيري بين المعاصرة والتراث:

تعودنا في دراستنا النقدية لأي عمل أدبي أن ننصب الدراسة على النواحي الفنية لذلك العمل سواء فيما يتعلق بالشكل أو المضمون ليس غير ، كأن نتحدث مثلا عن تجربة الشاعر الفنية أو الشخصية أو عن خياله الشعري أو عواطفه أو عن منهج القصيدة ولغتها وبنائيتها وما إلى ذلك مما يتصل بفنيات الخطاب الشعري .

غير أننا في هذه القراءة النقدية لديوان الدكتور محمد العيد الخطراوي ستكون دراستنا مغايرة إلى حد ما لما ألفنا من دراسات ولا أظنها جديدة كل الجدة على النقاد ودارسي الأدب ، ولكنها غير متداولة أو مطروحة كثيرا على الساحة النقدية ، أو قد لا يوليها بعضهم اهتماما لأنها في نظرهم لا تتغلغل في فنيات العمل الأدبي كما ينبغي ، وهذه الدراسة تدور حول مفهوم المعاصرة والتراث في الخطاب الشعري ومدى تأثير الشاعر بالتراث العربي الإسلامي خاصة والإنساني عامة ومظاهر هذا التأثير في ديوانه الآنف .

وقبل أن نبدأ القراءة وتحليل النصوص نود أن نقدم له بشيء من الإيجاز حول مفهوم المعاصرة والتراث في الأدب العربي وما دار ويدور حول هذه القضية من جدلية بين جمهور الدارسين والمتلقين على حد سواء . المعاصرة والشعر: حاول الدكتور زكي نجيب محمود تفهم معنى العصرية في الشعر من حيث هو أساس لاتجاه التجديد المعاصر فرأى أن جميع الشعراء الذين يعيشون بيننا عصريون لسبب بسيط هو أنهم أبناء هذه العصر.

ولكننا نرى كما يرى غيرنا أنه ليس بالضرورة دائما أن يكون الجديد عصرياً إلا في ظروف بعينها فلو تناولنا الشعر كجنس من أجناس الأدب ليكون أنموذجاً لحركة التجديد المعاصرة فقد يكون جديداً في شكله وإن تغلغل فيه نبض القديم وروحه وقد يتصادف ـ وهذا كثير ـ أن يكون الشعر في تجربته الجديدة أعنى الشعر الحر أو ما يعرف بشعر التفعيلة مجرد إحتذاء وتقليد للنماذج الجيدة والأصيلة لا يتجاوز الشكل أو الظاهر بينما يخلو في فنياته الخاصة من التجديد.

ومن خلال التصور السابق يمكننا أن ندرك نمطين من العصرية كليهما بعيد عن التصور السليم للعصرية كما يقول الدكتور عز الدين إسماعيل " النمط الأول هو ذلك الذي يتمثل فيما نسميه النظرة السطحية لمعنى العصرية حيث نجد الشاعر يتحدث عن مبتكرات عصره ، ومخترعاته ، ظناً منه أنه يمثل عصره ويشارك فيه ، والحقيقة أنه بذلك أنما يعيش على هامشه ويمثل هذه النمطية دعوة أبي نواس للتجديد وذلك بترك المقدمة الطللية ، والتحدث عن حانات العصر ، وكذا دعوة أحمد شوقي للتجديد في مطلع العصر الحديث بوصفة للمخترعات الحديثة كالطيارة والغواصة ..إلخ . والنمط الثاني يتمثل في الدعوة المغالية التي تدعو إلى العصرية المطلقة والتي توشك أن تنفصل نهائيا عن التراث وقد دعا لهذا النوع من العصرية المطلقة الشاعر الفرنسي " راميو " تلك الدعوة التي تتمثل في أن يظهر من خلال الفنون شعور بالظواهر المعاصرة كالآلة والمدينة الصناعية والسلوك العصابي وما إلى ذلك.

غير أن الدعوة إلى العصرية بهذا التطرف الذي نادى به " رامبو " يعني أنه ذاك التسليم بالفساد التام لكل القيم والمفاهيم والعادات التقليدية أو المشاركة في ذلك بأن يلقي الشخص بنفسه في تيارات الظواهر المعاصرة ، وإن يستخدم حساسية الدرامية التي تتميز بزيادة المرارة في الشعور ، يستخدمها من أجل أن يخلق منها فناً وأدباً ، لذلك نرى أن الدعوة إلى العصرية بهذا المفهوم لم تعمر طويلاً وعاد بعدها العصريون إلى تراث المجتمع وتقاليده وعاداته ، لأن المعرفة قد وفقت على نحو غلاب بينهم وبين ما بصقوا عليه ، ناهيك عن الطبيعة السياسية لعصرنا الحاضر التي تحول دون تقوقع الفرد وانعزاله عن المجتمع .

وخلاصة القول أن العصرية بالمفهومين السابقين قد أخفقت في تحقيق أهدافها في الأعمال الأدبية ، وذلك لأن العصرية بالمفهوم الأول كانت شكلية بحته ولم تتغلغل في أجزاء العمل الفني ذاته ، وأما العصرية بالمفهوم الثاني فقد كانت ناقصة بمعنى أنها كانت مجردة من التراث وحاولت أن تنمو في تربة جديدة خلت من كل مقومات الماضي غير أن فشل العصرية بمفهوميها لا يؤثر من قريب أو بعيد تأثيراً بالغاً على مستقبل حركة التجديد القائمة اليوم في الشعر العربي لأن هذه الحركة تأخذ من العصرية مزاياها ، ولا تلتزم بمجملها ، فحركة التجديد الآنية في شعرنا العربي لم تتورط في أخطاء العصرية المطلقة ، فهي لم تسقط الزمن الماضي وما فيه من تراث من حسابها ولم تبتر الحاضر عن الماضي والمستقبل وإنما هي قد أكدت مدى أهمية التزاوج بين الحاضر والماضي والتلاحم بين الواقع المكتسب والتاريخ الموروث.

ومن هذا المنطلق تبدو المفارقة العجيبة كما يذكر الدكتور عز الدين إسماعيل بين أن يكون الشاعر عصرياً وشديد الاتصال في الوقت نفسه بالتراث ، وكذلك ينبغي أن تتمثل هذه العلاقة الجدلية بين الشعر المعاصر والتراث العربي من جانب ن وكذا علاقته بالتراث الإنساني عامة وتعتبر العلاقة بين المعاصرة والتراث علاقة جدلية لأن الشاعر لا يقبل التراث كله ولا يرفضه كله وإنما تنشأ بينه وبين التراث علاقة من التفاعل والتجاذب يصفي خلالها التراث من منظور العصر .

التراث والشعر :

تختلف النظرة إلى المعاصرة والتراث باختلاف المفاهيم والأذواق والثقافة ونوعيتها والرؤية الصحيحة للعمل الأدبي ، ونحن عندما نتطرق لهذه القضية لا نريد أن نخوض مع الخائضين في جدليتها التي عايشناها منذ ظهور محاولات التجديد المبكرة على أيدي بعض الشعراء العرب بدءاً بأبي نواس وانتهاء بشعراء الحداثة .

لقد أخذت هذه القضية أكثر من أبعادها الحقيقية وتضخمت حتى أصبح لكل من مفهوم المعاصرة والتراث أنصاره ومؤيدوه دارت بينهم المعارك الأدبية والنقدية على مدار القرون لا لشيء إلا لأنهم يدورون في فلك الجدلية التي تحاول الإنتصار لأحد المفهومين ، ونسي الفريقان أو تناسوا أن التواؤم بين المفهومين أمر ضروري يفرضه التطور والحكمة التي تمر فيه مسيرة الأجيال المتتابعة ، فلا يصح أن نتوقع ونغفل ما يدور حولنا من تطور وتقدم وتحظر بمفهوم هذه الألفاظ الذي لا يصطدم وتراثنا الديني والتاريخي وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا المتوارثة . كما لا ينبغي أن نغمض أعيينا ونصم أذاننا عن مورثاتنا التي كانت ولا شك مصدر عزنا وعطائنا ، لكن الأمر قائم في حد ذاته على الموازنة كمنهج نقدي كانت من أسبق المناهج النقدية التي عالج من خلالها نقادنا القدامى النص الشعري واستخدموه في إظهار جماليات العمل الفني ، وهو بهذا المعنى الذي نستهدف من خلاله الوصول إلى استكناه نوعية القيم الجمالية في أ عمل أدبي قديماً كان أو معاصراً تكون ناجحة ومثمرة وننكرها كما ينكرها أصحاب التذوق الفني والحضور الواعي عندما يقصد بها الوصول إلى حكم بالأفضلية المطلقة لأحد الشيئين وهذا ما يغلب اليوم على الأطراف المتحاورة حول التجربة الجديدة في الشعر العربي ، والتمسك بالتراث ، فقد ظن أنصار التراث أن هذه الدعوة ما هي إلا حملة مستهدفة للقضاء على التراث الأدبي العربي بعامة والشعر القديم بخاصة أو هكذا يخيل لفئة من الناس تنسب لنفسها الغيرة على ذلك التراث وهي في الوقت نفسه لا تدري من قيمة هذه التراث الحقيقية غير التسمية فحسب .

كما أن هناك بعض المتطفلين على التجربة الشعرية الجديدة كل همهم أن يقال أنهم مجددون وهم في الحقيقة لم يعوا حقيقة التجديد ولم يسبروا مكوناتها ونظروا إلى التراث نظرة سطحية واعتبروه دليلاً على التخلف ينبغي التخلص منه أو على الأقل ألا يلتفت إليه أو نعيره بالاً ونقول لهؤلاء ما هكذا يكون مفهوم المعاصرة والتجديد .

ومن هنا توزع الجمهور بين معاصر معاد للتراث وبين ثرائي مستهجن ورافض لدعوة التجديد ، والأمر جد مختلف لأن نظرة كلا الفريقين لمفهومي المعاصرة والتراث نظرة خاطئة قائمة على الموازنة غير المنصفة بين الدعوتين ، أما إذا كانت الموازنة قائمة على أسس فنية صرفة الغرض منها أظهار جماليات العمل الأدبي قديماً كان أو حديثاً لا رحنا واسترحنا ، ولذلك فأن العلاقة القائمة بين الشعر في تجربته الجديدة وبين التراث عامة ليست علاقة عداء ولا ينبغي أن تكون لأن التغيير والتجديد لا يعني المعاداة بقدر ما يعني التعبير عن واقع حضاري متجدد ، فإذا كانت التجربة الشعرية الجديدة تختلف في منحاها الجمالي شكلا ومضمونا عن منحى الشعر القديم فلا ينبغي أن نفهم من هذا أن أصحاب الشعر الجديد وأنصاره يعادون الشعر القديم وأنصاره أو ينكروه لأن الشعر الجديد ما هو إلا وليد شرعي لكل ما سبقه من اتجاهات فنية ومحاولات تجديدية بدأت من أول العصر العباسي ولازمته إلى يومنا هذا ، ومع ذلك يجب أن ندرك تماما أن قضية التراث وعلاقتنا به لم تكن مصاحبة لقضية التجربة الشعرية الجديدة ، ولم تظهر بظهورها ولكن كل ما في الأمر أن ظهور التجربة الجديدة كان دافعا ومحفزا لها ، وذلك عندما وقف الأمر عند حدود النظرة السطحية غير الواعية لشكل القصيدة الحرة ، وراحت تجد فيها خروجا غير مألوف على تقاليدنا الشعرية المتوارثة .

وباختصار فإن التجربة الشعرية الجديدة تخلص ـ بما في هذه البنية من دلالات ـ لروح التراث وإن تمردت على أشكاله وقوالبه وقوافيه ، فالشعر الحر أو الشعر الجديد أو شعر التفعيلة ـ كما يسميه بعض الباحثين في الأدب والنقد ـ لم يلغ التراث ولم يلق به جانبا ولم يتخلص منه ـ كما توهم بعضهم ، بل هو أشد وأوثق ارتباطا والتصاقا به والذي يتجاوز عن قضية الشكل في القصيدة الحرة ويتأمل هذا اللون من الشعر بعمق واع ووضوح مميز يدرك جليا مدى تغلغل التراث فيه.

وإذا تتبعنا ديوان شاعرنا الذي نحن بصدد قراءته أدركنا نوعية العلاقة التي تربط الشاعر المعاصر بالتراث العربي خاصة والإنساني عامة ، وسوف يتضح لنا من خلال النماذج التي سنسوقها ـ كشواهد على صحة ما ذكرنا ـ أن علاقة الشاعر المعاصر بهذا التراث هي علاقة استيعاب وتفهم وإدراك واع للمعنى الإنساني والتاريخي للتراث ، وليس بحال من الأحوال علاقة تأثر صرف واحتذاء وتقليد . وعلى ضوء التنظير السابق ستكون قراءتنا النقدية في ديوان الشاعر الدكتور محمد العيد الخطراوي وبعد استقراء كثير من قصائد الديوان يستبين لنا أن مصادره التراثية تتوزع بين القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والمرويات والتراث الشعبي والمواقف التاريخية والشخصيات الإنسانية والقادة الإسلاميين والمواقع الحربية والرموز الأسطورية ، ونظرا لاتساع الموضوع ومراعاة لظروف النشر سنقسم الدراسة إلى حلقتين اثنتين الحلقة الأولى تشتمل على التراث القرآني والحديث النبوي والباقي سوف نفرد له الحاقة الثانية حتى تكون الدراسة وافية وأكثر شمولية بإذن الله .

القرآن الكريم :

لقد استغل الشاعر بعض آيات القرآن الكريم في خطابة الشعري سواء كان هذا الاستغلال صريحا أو تلميحا . فالاستغلال الصريح لأي القرآن الكريم وهو ما يعرف بالاقتباس المحض يتجلى في قوله من قصيدة " موشح في فندق للبيع "

ولو أن أهل القرى آمنوا

لأمطرت السحب مناً وسلوى

وأسفر وجه الصباح بدون نمش

وعاد إلى النبع صوت الرعاة

وعاد إلينا الظلال

وكل الأغاني التي غالها الجدب

أوهنها العدْو

ماتت على الطرقات

كنبض الحروف بقلب الحبارَى

غابت كما القطر في ظماء الرمل

أفضت للا شيء عبر الفضاء .

ففي الجملة الشعرية السابقة نرى كيف وظف الشاعر بحسه الشعوري المتدفق الآية القرآنية الصحيحة التي يقول فيها الله عز وجل (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وظفها للتعبير عن القلق النفسي والإحباط المعنوي الذي أصاب الشاعر بسبب إنصراف الناس عن سبيل الإيمان الكامل الصحيح وإمعانهم في طغيانهم فهو بهذا الاستحضار الديني يحاول أن يعيد إلى نفسه شعاعا من الإيمان ، ذلك الإيمان الذي افتقده في قلوب الآخرين الذين صرفتهم الحياة الدنيا وزينتها عن التطلع إلى الدار الآخرة . فالشاعر مما لا شك فيه يعاني من أزمة نفسية خاصة لم تفتأ تستحوذ على نفسه وتعشش في دواخله ، هذه الأزمة التي تتعلق بالبعد عن مسار العقيدة الصحيحة وانطفاء الشعاع الروحي من نفوس الناس واضمحلال الوازع الديني في قلوبهم لذلك وجدت الآية القرآنية السابقة طريقها إلى نفس الشاعر وارتبطت بوساطة البعد الشعوري لديه بأزمته الراهنة المتولدة كما ذكرت عن ذلك الجدب الروحي الذي لم ينفك يعتري نفوس البشر . ثم استمع إليه في جملة شعرية أخرى من ذات القصيدة :

ولو آمنوا لاستقر اختلاج الصحاري وخفق الجبال

وموْر البحار وهَجْس الشجر

وحنّت إلى الجذع أثماره

وتاقت إلى الطير أوكاره

إلى أن يقول :

ولو أنهم آمنوا

لأغدقت الأرض

بوادٍ لبن

ووادٍ عسل

ووادٍ طموحٌ يباري النجومَ

ففي الجملتين السابقتين نلمس أيضا صدى تلك الآية الكريمة في نفس الشاعر وقد اتخذت بعدا نفسيا آخرا إلى قلبه ونفسه فهو يكرر الدعوة إلى الإيمان لأنه بهذا الإيمان يتحقق الحلم ، يتحقق كل شيء يصبو إليه الشاعر ويتوق إلى تحقيقه ، وبهذا الإيمان تثمر الحياة وتعود بكل دلالتها إلى الصحراء والجبال والأشجار ، بل لو تحقق إيمان أهل القرى لعاشوا عيشة رغدة هانئة ، ولكن هيهات فإن الحلم لم يتحقق وأني له أن يتحقق في ظل هذه الغفلة الجاثمة على نفوس الناس ، وتلك سنة الله في خلقه ، وقد أكد الشاعر هذا الكفر في قوله :

ولكنهم كفروا بالبداية

فزلزلت الأرض زلزالها

وأخرج ربي أثقالها

لتعلم أنّا بباب النهاية

وأن الفناء طريق البقاء

وفي هذا المقطع الأخير من الخطاب الشعري ندرك كيف استطاع الشاعر أن يوظف النص القرآني في خطابه للتدليل على كفر هؤلاء قبلا فكانت العاقبة فزلزل بهم الأرض ، وما هذا إلا دلالة على قرب النهاية . ثم نلمس أيضا كيف تمكن الشاعر من الربط الوثيق بين الحياة والموت بين الفناء والبقاء وأن الفناء هو الطريق الموصل إلى حياة جديدة مبرأة من دنس الكفر .

وفي هذا الإيحاء التراثي من القرآن الكريم بلفظه دلالة أكيدة على أن الشاعر المعاصر لا يزال وسيبقى على اتصال حميم بتراثه وما ذكرناه آنفا ما هي إلا ظواهر القصيدة ، إنها الحركة السائدة فوق خضم الرموز والمعاني وسحرها الدائم كامن في هذه الرموز وهذه المعاني. أما توظيف الشاعر واستغلاله للقرآن الكريم في خطابة الشعري عن طريق التلميح واستيحاء المعاني نجده كثيرا ومبعثرا بين ثنايا القصائد ويمكننا أن نشير إلى بعض من هذا كما في قوله :

لبهم يمزقها الجوع

لم تطعم العشب

طول السنين العجاف

فقد استوحاه من قوله تعالى (يوسف أيها الصديق افتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف).

لقد جئتُكمْ ومعي ورِقٌ

أريد طعاما

أداري به سَوْرة الجوع

أرسم وجهي بباب المدينهْ

وأكتب إسمي على الطرقات احتجاجا

وأنقلُ خطوي اختلاسا

يسابقني الخوف

من عسس الليل

فقد استوحى الشاعر جملة الشعرية من قوله تعالى : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ) وفي قوله :

رفاقي هناك

أشاروا عليّ بأن أتلطف

.. أن أتنكر خوف اللئام

لاقتنص الشمس عند الغروب

وأُودعها في حنايا الوصيدْ

فقد استوحاه من قوله تعالى: (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحد) وقوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد).

وفي قوله في قصيدة بعنوان استطراد في جملة معترضة:

وكيف علم الإِله آدم الأسماء

فكانت الكلم

والعرش فوق الماء

وكانت الكلم

والعرش في السماء

فقد استوحاه من قوله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) .

ومن الإيحاءات السابقة لمعاني القرآن الكريم ندرك أمرين فاعلين الأول : يكمن في حضور الوعي المعرفي بالتراث الديني والقدرة الفائقة على توظيفه توظيفاً جيداً في عصب الخطاب الشعري، والثاني: نلمحه في سيطرة الشاعر على التوفيق بين الحضور المعرفي وترجمته بأحاسيسه ومشاعره إلى رموز ذات معانٍ تعكس معاناة الشاعر وهمومه.

الحديث النبوي الشريف :

لم يكن استحضار الشاعر للحديث النبوي الشريف وتوظيفه في الخطاب الشعري بأقل أهمية عن القرآن الكريم ، فقد أفاد منه الشاعر كثيراً وأستغله استغلالاً موفقاً ، ومن تتبعنا لقصائد الديوان لمسنا الكثير من المواضع التي استوحى فيها الشاعر الحديث النبوي الشريف ، وإن لم يكن هذا الاستيحاء باللفظ إلا أنه مدرك في سياق النصوص ، استمع إليه يقول يقول في قصيدة بعنوان رسالة إلى بختنصر:

أفضلُ إنهاء باقي الرسالة دون سلامْ

فقد بت أجهل معنى السلام

وانتظر ( الغَرْقدا )

سأسأل عنه الحجرْ

سأسأل عنه الشجر

لقد استقى الشاعر جملة الشعرية السابقة من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله ، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود). ومن خلال التوظيف السابق للحديث النبوي الشريف في النص الشعري نلاحظ كيف وفق الشاعر في الربط بين الموروث التاريخي المتمثل في مكر اليهود ومكائدهم للإسلام والمسلمين، وبين الحاضر المترجم لهذا التاريخ ، فاليهود كانوا وما يزالون يسيطرون بدهائهم وحيلهم على رموز القوة في العالم ، لذلك نجد أن الشاعر فد أدرك أنه لا جدوى من مواصلة الحوار مع هذه الفئة التي حاولت دائما أن تقضي على السلام بمراوغتها وتفننها في وأده والتخلص منه حتى غدا معنى السلام أمرا يجهله العالم ومنهم شاعرنا ، غير أن ما يزال يداعبه بريق من أمل في مجيء اليوم الذي ستدور فيه الدائرة على اليهود ، لذا نسمعه يقول :

سيأتي غدا . . سيأتي غدا

وفي قوله في قصيدة بعنوان في قصيدة بعنوان أمام بوابة الشمس:

وقلت أيا رب . . هبْنا عصاةً

وهَبْنا جناةً

وجئناك شُعْـثاً

منيبين نبكي

ألا نستحق رضاكا .

لقد استوحى الشاعر معنى الجملة الشعرية السابقة من قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( رب أشعث أغبر مدفوع الأبواب لو أقسم على الله لأبره ). ولم يكن توظيف الشاعر للحديث السابق بمعناه وليد المصادفة ، بل هو إنعكاس لما أثقلت به دواخله من هموم ومآس وآلام وأحزان ، فالشاعر وإن كان يجيد من المداراة بالبسمة التي ترتسم أحيانا على شفتيه إلا أنه يخفي خلفها سحباً مظلمة من الأسى والهم ، لذلك نجده يريد التفكير عما تهجس به النفس فلجأ إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه السابق ليطمئن الروح بأن الله سبحانه وتعالى رحيم بالعباد ، والذي يؤكد لنا معاناة الشاعر وألمه وهمومه قوله من نفس القصيدة :

وفي اللهب الحاقد المستبدّ

يسير جوادي وئيداً

ويكبو ببحر الرمال

ولا ماءَ .. لا ظل .. لا عشْـب ..

لا من أنيسٍ

سوى القحطِ والوهْم والموت

ثم يقول :

.. تجف الضروع

.. تموت الزروع

تهاجر كل الطيور

ويبكي ظفائره الطلح

فيا للبكاءِ ويا للثغاءِ .. ويا لَلْعواءِ .. ويالَلْـ .. ويا .. .

وسواء أكان ألم الشاعر وهمومه مبعثه الذات نفسها ، أو هو انعكاس لآلام الناس وهمومهم ، فإن الشاعر استطاع أن يعبر عن هذه الشحنة النفسية تعبيراً صادقاً متفجراً من مشاعر وأحاسيس مكلومة جعلته يبكي ويبكي إلى مالا نهاية كما وضح ذلك من سطره الشعري الأخير.

أما قوله في قصيدة بعنوان 2س = 2 جـ ص:

والكاهن يبحث عن قمقمْ

عن مبخرة هنديَهْ

عن ورْدٍ بكْرٍ لم يُطمث

عن منسأة مصنوعهْ

من حُـر الصخر

تهزأ من ديدان الأرض

وعلى جنبيها ( آصفُ ) يكتب تعويذهْ

ويتمتم ألفاظا غُـرْلا .

والذي أتصوره أن توظيف الشاعر لكلمة " غُرْلا " التي وردت في الحديث الشريف السابق لم يكن من قبيل الدلالة المعجمية فهي تعني جلدة " ذكر " الصبي التي تقطع في الختان ، كما تعني الخصب واتساع العيش ، غير أنها في بناء الخطاب الشعري السابق قد تعني الإبهام وعدم الفهم أي أنه يتمتم بألفاظ غير مفهومة ، وبهذا المعنى تكون العلاقة بين دلالة البنية التي وظفها الشاعر في خطابه وبين دلالتها في الحديث النبوي الشريف قريبة الصلة ببعضها بعضا " فالغرل " جمع أغرل نقول : هو أغرل وهي غرلاء ـ كما ورد في المعجم الوسيط ـ وهذه الغرلة تقطع عند الختان فينتج عنها نقص عند الإنسان فإذا ما حشر الله الناس يوم القيامة أعاد لكل إنسان ما انتقص منه ، ومن هنا ندرك التوافق بين المعنيين فالألفاظ الغرل تعني الألفاظ الناقصة الدلالة والتي لا يفهمها السامع فهي مجرد رموز يتمتم بها .

 

* الدكتور مسعد محمد زياد ( دكتور في فلسفة الأدب الحديث والنقد من أكاديمية أكسفورد وجامعة الخرطوم ).


كلمة الأستاذ عبد الفتاح أبي مدين

كلمة الأستاذ عبد الفتاح أبي مدين

إثنينية

الأستاذ عبدالمقصود خوجة

بمناسبة تكريم الدكتور الخطراوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين، وأصّلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين.. سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

صديقي الدكتور محمد العيد ا لخطراوي في يوم تكريمك أشعر بفرحة غامرة لأنك خليق  بهذا الاحتفاء وحقيق بهذا التقدير، وجدير بهذا التكريم؛ فأنت قد عشت الشظف واتخذت بالصبر طريقًا تحفه الأشواق إلى النجاح؛ وأنت لم تضجر ولم تتراجع عن هدفك نحو الرقي عبر جسور المعرفة، الَّذي لم يكن محفوفًا بالورود ممهدًا سهلاً، ولكنه كان صعبًا وعسيرًا؛ غير أن العسر أمام همم الرجال يتحول إلى يسر بعون الله وتوفيقه؛ ذلك أنك تتخذ من قول الشاعر:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى        فما انقادت الآمال إلا لِصابِرِ

 

سبيلاً إلى تحقيق أحلامك وكلنا حالمون ولكن الحلم وحده لا يوصل إلى الرقي والحياة الكريمة؛ وإنما الطموح المتشح بالعزيمة سبيل النفوس الكبار التي عناها أبو الطيب بقوله:

وإذا كانت النفوس كبارا     تعبت في مر ادها الأجسام

 

والحياة لا يبلغ شأوها بجدارة إلاَّ الطامحون، لأنهم لم يرقوا إلى أمجادها إلاَّ بكدحهم وجلدهم وصبرهم؛ اعتمادًا على الله المعين واتباعًا لمنهاج الصدق والخصال الحميدة، وتلك المحامد من مكارم الأخلاق التي يحبها الله ورسوله؛ ولولا أنني أوثر الإيجاز لأترك لغيري الحديث إليك وعنك في ليلتك هذه والليالي قليلة، لاصطنعت في الحديث عنك ما اصطنع الدكتور طه حسين مع توفيق الحكيم، يوم استقبله في مجمع اللغة العربية بمصر.

ومثل هذا الحديث فيه متعة وارتياض في مصاحبة الحياة التي يرتد في آخر الشوق فيها مذاقها الشهي؛ وقد كان مرًا أيام الكدح والجد والعناء؛ وتلك قمة المتعة بهذا الجهد والألم، والسهر الطويل؛ يتنفس المرء كما يتنفس الصبح ويشرق يوم جديد في حياة الكادحين، مليء بالوجد والأمل والطموح والصبر والمصابرة في الشدائد، ويحمد القوم السرى وأنت أحد أولئك في صبح أملح وضاء.

ولا أريد أن يأخذني الاستطراد فأنسى أن بجانبي من هو أكثر إتقانًا للحديث عنك وإليك في ليلتك هذه؛ ولكني سأتراجع عن الاستئذان أن أقرأ شيئًا من ديوان : "مرافئ الأمل " والمرفأ ذلك الميناء تقف عليه السفينة التي أدركها الأين، وكلمة الأَين جاءت من  ونى أي كلَّ وتعب وفتر، فتعبك يخطو نحو أمل شاعر يحلم ويرسم ويوشي كلماته برؤى عبقة في حلم الحلم إن صح هذ ا التعبير؛ فهو يهيم في

الجمال وكون الله الفسيح بخياله وأحلامه وآماله؛ فهنيئًا لك وللشعراء الحالمين لأنهم  سعداء لهذا السبح الطويل، بعيدًا - وقتًا ما - عن وعثاء الحياة وأثقالها، وترويحًا للقلوب ساعة وساعة.

لا أريد أن أقرأ في شعرك مرافئ الأمل؛ ولكن الديوان أمامك وسيطلب إليك وسيطلب

أحباؤك وضيفك في هذه الليلة أن تحدثهم عن هذه المرافئ؛ وبين يدي قصائد إن شئت قدمتها إليك.

نشكر الله لهذا الجمع الكريم ولهذه الدار العامرة؛ أما أدبك وشعرك فهو للدارسين والباحثين؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رؤية الخطراوي.. و(أسرة الوادي المبارك)؟

رؤية

الخطراوي.. و(أسرة الوادي المبارك)؟

 

بقلم الناقد الأستاذ محمد الدبيسي

 

حين كان التأريخ الثقافي في (الحجاز) كله أو جزء كبير منه.. بعيداً عن اهتمام الباحثين لإجلاء صفحاته المشرقة.. وتحرير دوره المهم والفاعل في سياق الحركة الثقافية في بلادنا لتتراكم مراحله وتحولاته, مفضية إلى استشرافاته وتحققاته اللاحقة, التي نطالع مثالاته أو مظاهرها الحاضرة.. دون أن ندرك مخاضاتها الأولى وإرهاصات تكوناتها البدائية؛ لتستوجد الرغبة الجادة والإصرار الواعي المسئول، مكانها وأهميتها على صعيد البحث العلمي والرؤية المنهجية الأمينة، والرصد الدقيق لتلك المراحل وإبراز معالمها وطبيعة تكونها وسياقاتها الثقافية الأخرى.

وكانت(المدينة المنورة) إحدى محاضن الحركة الثقافية والأدبية في بلادنا.. بحكم خصوصيتها التاريخية والحضارية.. التي ما فتئت تدر وتنجب وتنجز وتضيف..؟ ففيها وُلدت (جماعتان أدبيتان).. لمت شتات أدبائها.. وكونت عصبتهم المؤثرة.. واستجمعت طاقاتهم.. على نحو شكَّل ما يمكن وصفه ببدايات التنوير.. والوعي بأهميته كحتمية معرفية فاعلة تنتظم سياقاتها كفاءات من العقول المفكرة.. والمواهب الإبداعية الخلاَّقة.. احتوت ذلك النشاط والإسهام الثقافي الجاد.

فألفينا (جماعة المحاضرات) التي نشأت عام 1356هـ وكان أعضاؤها عبدالحق نقشبندي ومحمد عمر توفيق وعلي وعثمان حافظ وعبدالحميد عنبر، وجايلتها (جماعة الحفل الأدبي) وكان أعضاؤها عبد القدوس الأنصاري وأحمد الخياري ورضا حوحو وآخرين.

لتبتدع في بلادنا فكرة الجماعات الأدبية والتجمعات الثقافية.. مما يعطي مؤشراً على الوعي بأهمية العمل الجماعي والشراكة المعرفية.. وهو ما بدت معه تنوّعات اهتمامات أولئك الأدباء ومنازعهم، برهاناً على الاختلاف والتعدد في إطار الجماعة.

وقد كانت (أسرة الوادي المبارك).. التي تشكلت في العام 1371هـ آخر الجماعات الأدبية والتكتلات الثقافية الأهلية (غير الرسمية)، التي تبلورت كمجموعة أدبية بمقتضى وعي أعضائها بأهمية الهم الثقافي الذي كان يلح عليهم.. وإدراكهم لضرورة التعاون فيما بينهم، في سدى التلاحم الحميم.. واتساع لآفاق المشاركة.. التي كانت المعرفة نبراسها, والأدب موضوعها وعمادها.

وكانت هذه الجماعة النواة الرئيسة التي انبثق عنها (نادي المدينة المنورة الأدبي) الذي تأسس عام 1395هـ فصار أعضاء الجماعة أعضاء في أول مجلس إدارة للنادي. ولم تتوقف فاعلية الجماعة عند هذا الحد.. !؟ بل أثَّرت فيمن حولها.. وأثرت الحركة الثقافية بالمدينة المنورة.. وكان تسجيل.. ورصد مراحل تأريخها.. يحتاج إلى معرفة بمظاهر الثقافة بالمدينة آنذاك.. واستيعاب لحساسيتها ومعطياتها.. وتجليات الأثر الذي أنتجته.. ومن ثم تأثيرها في المجايلين لها من ذوي الاهتمامات الثقافية والعلمية الأخرى.. والأجيال التي تلتها..؟

وهو ما نذر (الدكتور محمد العيد الخطراوي) نفسه له.. في كتابه الصادر حديثاًً عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة ( أسرة الوادي المبارك في الميزان )، والذي سجَّل فيه وعبره لمسة وفاء لرفيق دربه, وصديقه الشاعر (محمد هاشم رشيد) الذي كثيراً ما ألحَّ عليه بكتابة تأريخ هذه الأسرة, والتي لم يبق من أعضائها على قيد الحياة سوى (حسن صيرفي ومحمد العيد الخطراوي وعبد الرحمن الشبل).

وكان الخطراوي جديراً بالتصدي لهذه المهمة.. وأهلاً لتدوين مسيرة هذه الأسرة.

ويأتي هذا الإنجاز في سياق تدوين الحركة الثقافية بالمدينة المنورة خاصة.. والمملكة بشكل عام. والخطراوي الذي اعتمد على مخزون ذاكرته في كتابة ذلك التاريخ، كونه أحد أعضاء الأسرة الفاعلين ومؤسسيها البارزين.. إنما يستثمر ذلك المخزون الذكروي, وينصت لفيضه الدفاق.. ويحتوي كل ما يمكن أن يدره ذلك الفيض من وقائع ومواقف وإشكالات.. بإسناد من وعيه المنهجي, وحضوره الثقافي المهم, في مشهد الثقافة في هذه المدينة الطاهرة، فهو ممن رصدوا تأريخ حركتها الثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية في العصرين الجاهلي والإسلامي وذلك ما يضفي على تجربته النوعية في هذا المسار عمقاً ووثوقية وقيمة..!

وتنبع قيمة نوعية أخرى لهذا العمل.. فهو الأول الذي يؤرِّخ ل(أسرة الوادي المبارك)، ولادتها وأعضاءها ومقرها, والمناخ الثقافي الذي نشأت في ظلاله, وأهدافها ومنجزاتها وتوجهاتها الأدبية، وسماتها الفنية وأثرها على الواقع الأدبي, ودور المرأة فيها وعلاقتها بالمناشط الثقافية والاجتماعية الأخرى، كالرياضة والمسرح والموسيقى، وكذا علاقتها بالواقع الإداري بالمدينة آنذاك وأثرها في الأجيال الأدبية اللاحقة..؟ والخطراوي في هذا الكتاب.. لم يتجاوز علامات التواصل الثقافي والأدبي بين أدباء المملكة والحركات والروابط الأدبية في العالم العربي؛ فنجده في رصده لنشأة ميلاد هذه الأسرة يضيء بعض ملامح التجاذب بين رواد الحركات الأدبية في الوطن العربي، - ولا سيما في العواصم الثقافية المنتجة للثقافة بوجهها الأصيل - وأدباء المملكة..؟ وكيف أفاد أدباؤنا من منجزات أولئك الأدباء العرب.. وتأثروا بها وحاولوا محاكاتهم.. ومن ثم شبت مواهبهم وتكاملت.. لتحقق سماتها المميزة.. وتعبر عن هموم واقعهم الخاص..؟

لقد حاول المؤلف وفق ما أتاحته له ذاكرته الخصبة؛ استيعاب كل مناحي الحضور الفعَّال لهذه الأسرة وأثرها وتجلياتها.. وهو ما يعد رافداً مهماً في مثل هذه النوعية من المؤلفات.. التي لا تربأ أحياناً بالمنهجية البحثية في جانبها الشكلي.. مثل إثبات المراجع التي استقى منها بعض النصوص الشعرية والمعلومات التاريخية التي أوردها..؟ فحسبه وهو في هذا العمر المتقدم.. أن يتحف مكتبتنا الأدبية بهذا السفر المهم.. والذي يُسجل في منظومة إسهاماته الأدبية والثقافية العلمية الجادة.

كما كان لمكتبة الملك عبد العزيز وللقائمين عليها دورهم الإيجابي, في تبني طباعة هذا الكتاب.. الذي كثرت فيه الأخطاء الطباعية.. وغفل من قام بترقيمه وإيداعه وفقاً للتصنيف الموضوعاتي، عن أنه كتاب في (تاريخ الأدب) وليس في (القبائل العربية) كما دُون في أولى صفحات الكتاب

الخطراوي يرشح الربيع ورشيد للتكريم في ملتقى العقيق

الخطراوي يرشح الربيع ورشيد للتكريم في ملتقى العقيق

بقلم / خالد الشلاحي

مكتب عكاظ – المدينة المنورة

 

رشح الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي الراحلين عبد العزيز الربيع، ومحمد هاشم رشيد للتكريم في ملتقى العقيق الثقافي المقبل.

ويعد الربيع مدير تعليم المدينة سابقا أول رئيس لنادي المدينة الأدبي، أما رشيد فرحل وهو يشغل منصب رئاسة النادي.

وقال الدكتور الخطراوي المكرم في ملتقى العقيق الثقافي الثالث الذي اختتم جلساته أمس: لا أحد ينكر دور الراحلين الربيع ورشيد، البارز في تأسيس الحركة الثقافية الأدبية المعاصرة في المدينة وهما جديران بالتكريم.

وأوضح الخطراوي لـ «عكـاظ» أن الاحتفاء أصبح سنة حسنة تسلكها الأندية الأدبية والمؤسسات الثقافية في المملكة عموما، وهي فكرة صائبة تبعث على الاهتمام والاستزادة منها، مضيفا أن هذا التكريم يشتمل على مشاعر نبيلة نظير ما يقدمه المكرمون من نشاط فني وإبداعي وفكري. واستطرد قائلا: «تكريمي جاء من إخوة يقتطعون من داخلهم صفات المكرم ويعتمدون عليها في هذا التكريم، لكن الأهم من ذلك أن نادي المدينة الأدبي يهدف من خلال هذا الاحتفاء إلى تكريم الإبداع والفن والفكر ممثلا في شخصية المكرم، لذا فإن التكريم مزاولة لعملية الإعجاب في حق المكرمين، وأعتز وأفاخر يتكريم نادي المدينة». ورأى الخطراوي أن تكريمه في الملتقى لا يعد نهاية علاقته بالأدب وتأليف الروايات الثقافية والكتب النقدية، مشيرا إلى أن التكريم يحصل في أي مرحلة من مراحل الحياة، وهو تعبير عن تقدير واحترام لشخصية المكرم. ونال الخطرواي سابقا جوائز عدة نظير نشاطاته الثقافية ومؤلفاته الأدبية من بينها: «جائزة أمين مدني في التاريخ»، و «جائزة الرواد الأوائل في كتابة تاريخ المملكة» التي نظمتها دارة الملك عبد العزيز تحت مسمى «جائزة الأمير سلمان»، و «جائزة الكتاب الرواد في المملكة» للكتاب الذين أسهموا بنشاطاتهم ومؤلفاتهم الأدبية في صياغة ورسم الحركة الأدبية المعاصرة في المملكة، وغالبية من كرموا بهذه الجائزة ممن تجاوزا الستين عاما.

وصدر للخطراوي أخيرا كتاب أدبي «قراءة في دفاتر الحمير»، وأصدر نائب رئيس نادي المدينة الأدبي محمد الدبيسي كتابا عنه بعنوان «الخطراوي في آثار الكاتبين»، وجاء في 500 صفحة، واشتمل على ما كتب عن الخطراوي من مآثر وقصائد شعرية وكتابات أدبية. ونظم نادي المدينة الأدبي على مدى يومين ملتق العقيق الثقافي، وشارك فيه نحو 30 باحثة وباحثا من المملكة وخارجها تحت عنوان (المدينة المنورة في أدب الرحلات).

واختار النادي الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي شخصية الملتقى في دورته الثالثة، نظير إسهاماته الثقافية في مجالات الأدب على مدى سنوات طويلة، وباعتباره أحد رواد الأدب في المدينة المنورة.

 

المصدر: جريدة عكاظ العدد 2882 بتاريخ 13/5/1430هـ الموافق 8/5/2009م


الخطراوي والمفتي وقبلة الأمير !

الخطراوي والمفتي وقبلة الأمير !

بقلم الأستاذ محمد أحمد الحساني

 

في أحد الأعداد الأخيرة من مجلة «الإعلام» التي تصدر عن وزارة الثقافة والإعلام ويرأس تحريرها الأديب الأريب السيد الحبيب حسين بافقيه، قرأت حوارا أدبيا تربويا أجري مع المربي الكبير الشاعر الأديب الدكتور محمد العيد الخطراوي فوجدته حواراً شائقاً ثرياً حاول فيه الصحفي المحاور «خالد الطويل» تغطية جوانب عديدة من حياة هذا المربي الرائد الذي وهب التربية والتعليم نحو نصف قرن من عمره وأعطى الأدب والثقافة والشعر والنقد عصارة فكره وكان ولم يزل علامة بارزة وعلما من أعلام المدينة المنورة، بل إنه يعد من أعلام الأدب على مستوى بلادنا، ولذلك فإن اللقاء معه من الأعمال الصحفية الجيدة لمجلة الإعلام وقد توقفت عند بعض ما جاء في حديثه الطريف المفعم بالذكريات الشجية والطيبة، فعندما سئل عن أبرز تلاميذه في مراحل التعليم العام ذكر منهم سماحة المفتي العام الشيخ عبد العزيز ال الشيخ، فهل كان المعلم الخطراوي يتوقع وهو يقف أمام اللوح المدرسي «السبورة» ذات يوم أن أحد تلاميذه في الصف سيكون المفتي العام للمملكة؟ وهل ذلك يؤكد مقولة إن العلم مثل السلم.. ويصعد عن طريقه الصاعدون وهو باق في مكانه، وكان ممن ذكرهم من تلاميذه ايضا وزير التجارة والصناعة السابق الدكتور هاشم يماني وهو كما يقال عبقري في مجاله العلمي ومدير جامعة طيبة الدكتور منصور النزهة وأمين المدينة المنورة المهندس عبد العزيز الحصين!

ويقدر الدكتور الخطراوي في مقابلته لفتة إنسانية للأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لأن الأمير عندما قابله في إحدى المناسبات انحنى تواضعا وقبل رأسه احتراما له على مسيرته التربوية والأدبية ومازحه قائلا: كلما التقيت بأحد من أهل المدينة المنورة في المدينة أو في الرياض أو في غيرهما من المناطق قال لي إنه تلميذ الخطراوي فكيف اصبحت استاذا لكل هؤلاء وقد تسنم بعضهم مراتب رفيعة؟

ومن طرائفه التربوية التي رواها أنه عندما درس في معهد الدعوة في وقت من الأوقات مر عليه في المعهد ثلاثة أجيال لأنه درس الجد ثم ابنه ثم الحفيد ما شاء الله لا قوة إلا بالله!

وقد ركزت كما رأيتم على الجانب التربوي الذي ورد في الحوار من حياة الدكتور الخطراوي مع أن الحوار شمل حياته الثقافية والأدبية ومعاركه وخلافاته واجتهاداته في تلك الميادين ولكنها جوانب معروفة لدى الوسط الثقافي.. وصدق الشاعر إذ يقول: كاد المعلم أن يكون رسولا.. ولكن!!

 

المصدر: جريدة عكاظ العدد 2883 بتاريخ 14/5/1430هـ الموافق 9/5/2009م


الخطراوي.. بعد موسوعي منوع واتجاهات نقدية وشعرية

ليس المثقفون وحدهم من سيحتفي مساء اليوم الثلاثاء 17/5/1430 الموافق 5/5/2009م بفندق المرديان بالمدينة المنورة بنائب رئيس أدبي المدينة الأسبق الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي يوم تكريمه ضمن فعاليات ملتقى العقيق الثقافي في نسخته الثالثة والذي ينظمه نادي المدينة الأدبي بل سوف يتزاحم عدد من الإصدارات والدراسات الثقافية الخاصة والتي قررت اللجنة توزعيها في يوم تكريمه.

ومن بين الإصدارات الحديثة التي ينتظر توزيعها في هذا السياق كتاب»جماليات التشكيل التخالفي في شعر الخطراوي» للدكتورة أسماء أبو بكر أحمد والذي صدر أخيرا عن نادي المدينة الأدبي وكذلك كتاب «الخطراوي في آثار الكاتبين» والذي أعده الناقد محمد الدبيسي وصدر عن نادي الجوف الثقافي. إضافة لكتاب سابق لعضو نادي جدة الأدبي الدكتور عاصم حمدان المعنون بـ «قديم الأدب وحديثة في بيئة المدينة المنورة» والذي يتناول فيه حمدان ضمن دراساته تجربة الدكتور الخطراوي الأدبية.

وترى الدكتورة أسماء أبو بكر في مقدمة دراستها أنه يحسب للخطراوي أنه شاعر بارز من أعلام شعراء مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم، ويمثل رافداً من روافد النهضة الشعرية فيها، فهو شاعر من شعراء جماعة أدبية، أسست للنادي الأدبي بالمدينة النبوية، الذي يعد انطلاقة منيرة للأدب والفكر فيها، الخطراوي واحد من أبرز الشعراء الذين ينتمون للجيل الثاني الذي يلي جيل الرواد في الشعر السعودي الحديث.

ويتمتع الشاعر- بحسب وصفها - ببعد موسوعي منوع الإنتاج، شعراً ونثراً، متعدد الاتجاهات شاعراً وناقداً، مطلعاً على كثير من روافد الثقافة العربية الأصيلة، جامعاً بينها وبين روافد الثقافة المعاصرة، ينعكس ذلك في إبداعاته، كما أن إنتاجه الثقافي متعدد المجالات ما بين الشعر، والدراسات النقدية، والأدبية، والكتب الثقافية، وله مشاركات متنوعة في المنتديات والمؤتمرات الأدبية، والندوات الشعرية، كما يكتب المقالات التي تنشر على صفحات المجالات الأدبية.

من جهته عرج الدكتور عاصم حمدان في كتابه( قديم الأدب وحديثة في المدينة المنورة ) على تجربة الخطراوي خلال حديثة عن البيئة الشعرية والأدبية في المدينة المنورة ودورها في إثراء الحركة الأدبية في المملكة.

ويشير حمدان إلى أن الخطراوي عرف في بداية حياته بميله للشعر الكلاسيكي ولكنه مارس – بحسب وصفه - بعد ذلك إبداع قصيدة التفعيلة كما في قصيدته «كأس الملام» والتي تعتبر من أولى تجاربه في ذلك.

ويرى معد كتاب ( الخطراوي في آثار الكاتبين ) الناقد محمد الدبيسي في مقدمته أنه إذا كانت (الأمكنة) مكوناً من مكونات الشخصية الثقافية ومجالاً للتعبير عن وعيها بتلك الأمكنة وتعالقها معها أو تماهيها فيها فإن مكان الشاعر الخطراوي (المدينة المنورة) كان المؤثر القوي والبارز- بحسب الدبيسي - في تجربته الثقافية، وهو الفاعل الذي استثمر الخطراوي قيمه الحضارية (الثقافية، والاجتماعية، والجمالية) وتراءى كذلك بشكل متمايز في إنتاجه ومؤلفاته.

ويقدم الدبيسي في مقدمته إحصائية لمؤلفات أديب المدينة ويرصد منها (خمسة مؤلفات) في رصد ودراسة الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية في العصرين الجاهلي والإسلامي بالمدينة المنورة، ومؤَلَّفين اشترك في تحقيقهما مع أحد زملائه, وهما (الفصول في سيرة الرسول) للحافظ ابن كثير وكذلك (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) للحافظ أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري. وكذلك تحقيق كتاب (المرور بين العلمين في مفاخرة الحرمين) لنور الدين الزرندي، ومؤَلَّفاً واحداً رصد فيه الخطراوي تاريخ مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة والموقع التاريخي الرائد وآخر عن (أسرة الوادي المبارك) الأسرة الأدبية التي نشأت بالمدينة المنورة في السبعينيات الهجرية من القرن الهجري الماضي.

وتشارك مجلة ( الإعلام والاتصال ) التي تصدرها وزارة الثقافة والإعلام بدورها كذلك في تكريم الدكتور محمد العيد الخطراوي عبر لقاء واسع يتناول جوانب من سيرته العلمية والإبداعـية والـتي من بينها رحلته مع الطباشير معلما لأكثر من 40 عاما.

 

لقاء صحفي (الخطراوي.. فـي مشـوار حـيـاتــه الذي قال عنه إنه تعب)

محمد العيد الخطراوي.. فـي مشـوار حـيـاتــه

الذي قال عنه إنه تعب

صرت إماماً فـي المسجـد النبـوي وعمري أربعة عشر عاماً

 

 

أديب ومثقف وشاعر ومربي أجيال.. سلك دروب الفكر والأدب والإبداع، وامتلك أدوات العطاء الثقافي، فكان واحداً ممن تركوا بصماتهم المضيئة في حياتنا الأدبية والثقافية.

ضيفنا الأكاديمي الدكتور محمد العيد الخطراوي الذي ولد في المدينة المنورة، وبدأ مشواره مع العلم بحفظ القرآن الكريم وهو ابن الحادية عشرة، ورغم أن والده كان يرى أن التعليم يقتصر على القرآن الكريم فقط، إلا أن الدكتور الخطراوي ناضل حتى حصل على الدكتوراه في الشريعة، ورغم ذلك يعترف الخطراوي أنه شارك في حركة التجديد الأدبي في السعودية.

مشوار حافل بالعطاء من البحث والتحقيق، إلى العلم والعمل إلى الشعر والنثر، إلى التأمل والفكر، إلى التألق والإبداع.. في مشوار أديب عَلَم في حياتنا الأدبية

 

ذكريات الطفولة

ذكريات الطفولة.. ما الذي تعنيه بالنسبة لك؟

من الصعب على الإنسان وهو في مثل سني أن يتذكر كل شيء عن طفولته، لكن كل ما أتذكره أنني قضيت تلك المرحلة في حياتي بحلوها ومرها في مدينة المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وكان ميلادي بها في 16/12/1354هـ ، كانت طفولتي عادية ملأى بالحركة والتفاعل مع أقراني، مزدحمة بالتساؤلات وخصوصاً عن الغد.

حدثنا عن مسيرتك التعليمية بجميع مراحلها وظروفها التي عايشتها في فترات مختلفة؟

 

- بدأت دراستي في المدينة المنورة بتعلم القرآن الكريم وحفظه، حيث كان هذا النوع من الدراسة هو ما يهم والدي -رحمه الله- حتى حفظت القرآن الكريم كاملاً وعمري إحدى عشرة سنة، وصليت التراويح وعمري أربعة عشر عاماً، حيث كان إمام المسجد النبوي يؤم المصلين في صلاة التراويح العامة، وبعدها يتوزع المصلون في مجموعات مختلفة في رحاب المسجد النبوي الشريف، ويؤم كل مجموعة حافظ من حفظة كتاب الله الكريم، وقد كنت أنا أحد هؤلاء الأئمة ولله الحمد.. أما تأخر دراستي المنهجية أو التعليمية فيرجع إلى أن والدي -رحمه الله - كان يرى أن الدراسة لا بد أن تقتصر على القرآن وحده، حيث كان يطمح أن يكون ابنه حافظاً للقرآن الكريم، لكنني استطعت أن التحق بدراسة المرحلة الابتدائية والمتوسطة ثم الثانوية من خلال الانتساب، ولأن والدي كان يقدر القيمة العلمية للجامع الأزهر في مصر وجامع الزيتونة في تونس فاختار أن أتم دراستي في جامع الزيتونة، ومنه حصلت على درجة الليسانس في الشريعة، وكان اسمه في ذلك الوقت (الجامع الأعظم)، وكان شيخه العالم الجليل صاحب التفسير المعروف للقرآن الكريم فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور، كما كان يضم الجامع عدداً كبيراً من المشايخ الأجلاء منهم ابن الشيخ الطاهر وهو الشيخ صابر والشيخ الحبيب بالخوجة المسؤول الآن في رابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي، وهذا يعود بي إلى ذكر عدد من أساتذتي الشيوخ في مراحل التعليم الأولى في المدينة المنورة ومنهم: الشيخ أحمد الخياري والشيخ محمد الحافظ -رحمهما الله - والشيخ محمد الخضيري التونسي.

 

هل تتذكر أحداً من زملاء الدراسة في تلك المراحل؟

- لا أتذكر الآن سوى الشاعر ماجد الحسيني، لكن الزملاء كثر والعتب على الذاكرة، فأرجو المعذرة.

 

ما أول عمل مارسته في حياتك؟

- عملت مدرساً في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، وهذه المدرسة كان لها شأن علمي كبير، حيث تخرج فيها كثير من طلبة العلم منهم: الشيخ محمد الحافظ الذي ذكرته سابقاً، ومنهم الشيخ محمد الحركان وغيرهم الكثير، والذين كان لهم باع كبير في العطاء العلمي والشرعي، وقد تخرج على أيديهم أعداد ضخمة من طلبة العلم.

 

هل تذكر مقدار أول راتب تقاضيته في حياتك؟

- عندما عملت مدرساً في مدرسة العلوم الشرعية كان أول راتب استلمته مائتي ريال في الشهر، وكان يكفيني وعائلتي الصغيرة، وكنت أدخر منه، حيث كانت متطلبات الحياة آنذاك بسيطة، أما الآن فلك أن تزيد على ذلك الرقم «صفرين» و(يالله الخراج)!!

مسيرتك العملية حفلت بالعديد من المناصب، ما أهم تلك المناصب؟

- عشت وسأموت مدرساً!!، سألني أحدهم ذات مرة: لو بدأت الحياة مرة ثانية ماذا تريد أن تكون؟! فقلت: أريد أن أكون مدرساً.. لم أنفك عن التدريس طوال حياتي، فبعد أن عملت في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة انتقلت للعمل في المجمعة لمدة ثلاث سنوات، ثم التحقت بالعمل في معهد إمام الدعوة بالرياض لثلاث سنوات أخرى، كما عملت أستاذاً في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لمدة سنة، ثم عدت إلى المدينة المنورة، حيث عملت مدرساً في ثانوية طيبة، وكانت الثانوية الوحيدة بالمدينة آنذاك، وظللت مدرساً فيها لحوالي إحدى عشرة سنة، ثم وكيلاً لها لمدة ثلاث سنوات فمديراً، ثم انتقلت إلى ثانوية قباء وعملت مديراً لها لمدة ست سنوات تقريباً، وأثناء ذلك حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الأزهر في مصر عام 1400هـ، وعندما انتقلت للعمل وكيلاً لعمادة شؤون المكتبات في الجامعة الإسلامية بالمدينة، وفي عام 1402هـ انتقلت للعمل أستاذاً للنقد والأدب في كلية التربية فرع جامعة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورة، ثم رئيساً لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية لثماني سنوات، ورئيساً لتحرير مجلة الجامعة بالمدينة المنورة، وأخيراً (ألقت عصاها واستقر بها النوى ( وحصلت على التقاعد قبل حوالي ثماني سنوات.

 

لننتقل إلى عالم الأدب والإبداع.. هل أنت الذي اخترت طريق الثقافة والأدب أم أن الأقدار دفعتك دفعاً إلى هذا الطريق؟

- والله أعتقد حبيبان التقيا ذات مساء أو صباح فوجد أحدهما في الآخر ضالته فاستقر فيه.

وهل أنت راضٍ عن علاقة الحب تلك؟!

- الشيء الذي يثير الاستغراب أن تسمع من يتساءل عن شاعر يكتب في الشريعة الإسلامية!! وما بال هذا الشيخ يكتب الشعر والمسرحية والأدب والنقد.. وقد طرح حولي مثل هذا التساؤل لأن أول كتاب طبع لي كان في مجال الشريعة الإسلامية عام 1381هـ، وكان بعنوان «الرائد في علم الفرائض»، ومن يقرأ هذا الكتاب ويقرأ أحد دواويني الشعرية خاصة الغزلية منها يجد نفسه أمام مثل هذا التساؤل الذي يحتاج إلى جواب!!
وهل لنا أن نعرف منك الجواب؟!
-
الجواب هو أنني أنا كل ذلك.
مَنْ مِن الأدباء الراحلين أو المعاصرين الذين كان لنتاجهم الأدبي أثر في عطائك الأدبي؟
-
حقيقة كنا نقرأ كثيراً، فمثلاً عندما كنت في جامع الزيتونة كنت أقرأ في اليوم كتاباً أو كتابين، وكان أساتذتنا يحثوننا على القراءة، فقد قرأت لأساتذة كبار منهم: أحمد حسن الزيات والرافعي والعقاد وجورج زيدان وأدباء المهجر، وكنت أحفظ كثيراً مما أقرأ دون أن يكلفني أحد بالحفظ، حيث أعتقد أن الحفظ يعد أمراً مهماً في عملية الثقافة والأدب.

 

ما أهم مصادر المعرفة والإلهام بالنسبة لك؟
-
التفاعل المستمر مع شؤون الحياة وموضوعاتها فيه ما يحفز الذهن ويشحذ الهمم ويجعل الإنسان قادراً على أن يتفاعل معها، وأن ينتج ويبدع، وعلى المرء أن يغوص في هموم الناس والحياة، وأن ينشغل بما يشغلهم، ومن خلال هذا التفاعل تهيج قريحته، ويتدفق عطاؤه..
الثقافة والإعلام صنوان لا ينفكان عن بعضهما البعض.. كيف وجدت ذلك من خلال تجربتك الأدبية؟
-
أولاً بدأ عهدنا بالكتابة بداية من جريدة المدينة وخاصة من خلال صفحاتها الثقافية ثم اشتركنا في تأسيس أسرة الوادي المبارك؛ والتي كانت أكبر أسرة أدبية في المملكة آنذاك إن لم تكون الأسرة الأدبية الوحيدة في ذلك الوقت، وقد ألفت عنها كتاباً في طريقه إلى الطبع قريباً إن شاء الله، وهذه الأسرة أول من أسسها ثلاثة أشخاص هم: محمد هاشم رشيد، وحسن صيرفي، ومحمد عامر الرميح ثم انضم إليهم بقية الأعضاء، وأول من انضم إليهم عبدالعزيز الربيع، وكان له شأن كبير بحكم وجوده على رأس إدارة تعليم المدينة المنورة، ثم ماجد الحسيني، وعبدالرحيم أبو بكر، وعبدالرحمن الشبل، ومحمد الخطراوي، وحسين داغستاني، بعد ذلك علي حسون، وحسين علي حسين وآخرون، وكان هناك أعضاء منتظمون وأعضاء زائرون، وهذا موضوع طويل ألفت فيه كتاباً كما قلت، ثم بعد ذلك اشتركنا في تأسيس النادي الأدبي بالمدينة المنورة الذي يحتضن لقاءنا هذا.
بعد هذا المشوار الأدبي الحافل كيف تصف لنا مدى تغّير قناعاتك وتوجهاتك الفكرية؟
-
حقيقة يمكن أن أقول إن قناعات الإنسان تتغيّر من وقت لآخر وبالنسبة لي كان توجهي أولاً تراثياً ثم بعد ذلك استطعت أن أطوّر أدواتي وآلياتي الأدبية والثقافية، وأن أبقي على جمال الأصالة والأخذ ببعض الأساليب الحديثة.

 

هناك من يصنفك ضمن الأدباء المحافظين أو أحد رواد التيار الأدبي الإسلامي - إن جاز لنا التعبير؟
-
سنظل إسلاميين على مدى الحياة إن شاء الله؛ لأن الإنسان منا يعيش في مثلث أضلاعه تتمثل في الإسلام والعروبة والوطن.

 

 

كيف تصف أثر الاتجاهات الأدبية الحديثة على طرحك الأدبي؟
-
أنا في هذه السن قمت ببعض الطروحات الأدبية الخاصة من الناحية الشكلية، ومن الناحية النظمية فيما أطرح، وبخاصة في الشعر والنقد، ولا أريد أن أقول كما يقول البعض ( الدنيا حظوظ ) أعني أنه قد يبذل الإنسان جهداً كبيراً ويحصد حصاداً ضئيلاً، وليس هذا من باب الشكوى ولا من باب التظلم لأنه لا أحد يستطيع أن يرفع الظلم في هذا الشأن، فهي أشياء معنوية لكنني أجد نفسي بعد هذا المشوار الطويل مظلوماً - طبعاً ظلمتني نفسي - لأنني لم أستطع أن أقنع الآخرين بكل توجهاتي، ويهمني بالمناسبة أن أشكر جميع الزملاء الذين اتصلوا بي في الآونة الأخيرة عندما نشر نبأ ضياع مجموعة من مؤلفاتي التي كنت على وشك الدفع بها إلى المطبعة.
وما سبب ضياع تلك المجموعة؟ هل هناك رائحة سرقة من موتورين؟
-
ما حدث لا أريد أن أخوض فيه الآن كثيراً، لكن أستطيع أن أقول إنه كانت هناك عملية سرقة للجهاز الذي تم تخزين المجموعة فيه من النادي الأدبي، لكننا ولله الحمد بعد جهد كبير من البحث وجدنا جزءاً كبيراً من المسودّات المكتوبة لتلك الكتب.
كيف تجد مقولة: ملكة الإبداع الأدبي لا تبرز إلا بعد الإبحار الفكري في الثقافات الأخرى؟
-
تنبه القدماء قبل صدور هذه المقولة إلى موضع الثقافة في الإبحار الفكري في الثقافات الأخرى فاشترطوا أن يكون الشاعر مثقفاً ثقافة أدبية وثقافة فكرية، وألفوا كتباً ذكروا فيها مواقع الأخطاء التي وقع فيها بعض الأدباء الذين تنقصهم هذه الثقافة، وأعتقد أن العقاد وطه حسين ممن تكلموا عن أهمية الثقافة بالنسبة للأديب، فالأديب غير المثقف مثل الاسفنجة؛ ولذلك الدكتور شوقي ضيف عندما كتب عن الشاعر علي محمود طه أشار إلى هذه الزاوية، حيث يقول: إن شعره جميل يعجبك حسنه ورونقه وترديده، ولكنك إذا قبضته بيدك يتحول إلى هلاميات لا معنى لها، فأنا أريد أن أقول إن ثقافة الأديب الفكرية أمر ضروري تنبه إليه الأدباء.

 

 

حدثنا عن عطاءاتك المطبوعة؟
-
ألفت وطبعت حوالي أربعين كتاباً في الشريعة الإسلامية والتاريخ والتحقيق والنقد والأدب والشعر، ولدي أحد عشر ديواناً شعرياً.
هل ما «حققه» الأديب محمد العيد الخطراوي من أعمال أدبية كان يهدف إلى التجديد أم التوثيق؟
-
هناك تحقيق صحفي وهناك تحقيق علمي، وهو أن تصل بالمؤلف إلى الصورة التي تركها عليها المؤلف أو تكاد، وأنا قمت بتحقيق كتابين في السيرة النبوية، وحققت مجموعة من الدواوين الشعرية منها: ديوان محمد أمين الزللي، وديوان عمر بري، وديوان فتح الله بن نحاس، وديوان الأسكوبي، ومجموعة أخرى من الدواوين.
وأنتم واحد من أبرز أعلام الرعيل الأول ممن رفعوا راية التجديد في الأدب السعودي المعاصر كيف تصفون لنا هذه التجربة الرائدة؟
-
الأهم أن يحاول الأديب أن يكون ابن عصره، فيكون معبراً عن ذاته ومعبراً عن عصره فعندما تقرأ بيتين من الشعر أو قطعة من النثر فقد تعرف العصر الذي كتبت فيه إن لم تعرف كاتبها تحديداً، فكلنا نعرف أسلوب نزار الشعري، وكلنا نعرف أسلوب طه حسين النثري.. أعني أن الأدباء الكبار يتميزون بحيث يعرف بهم العصر ويعرفون به.. وقد اشتركت مع غيري في التجديد بالأدب السعودي المعاصر أو في تكوين مثل هذا التوجه من حيث المضمون ومن حيث الشكل من خلال أدوات فنية مستحدثة مثل قبول تمازج وتداخل الأجناس واستخدامها كأجناس أدبية، ومثل التعبير بالتراث بدلاً عن التعبير عن التراث، ولا يزال هناك من يخلط بين التعبير بالتراث والتعبير عن التراث فمثلاً (رائية) حافظ إبراهيم المعروفة هذه تعبير عن التراث، فهو يعبّر عن واقعة حصلت كذا وكذا، ويؤرخ لها بعيداً عن النبضات الأدبية والحيوية الشعرية، لكن التعبير بالتراث يختلف فيتحول التراث إلى وسيلة لاغاية.

 

 

 

هل أخذت مسؤوليات محمد العيد الخطراوي نائب رئيس النادي الأدبي بالمدينة المنورة ورئيس تحرير مجلة الآطام الثقافية من عطاء الأديب المبدع محمد العيد الخطراوي؟
- بالعكس أنا أجد نفسي من خلالها في بؤرة العمل الأدبي من باب الشيء بالشيء يذكر، فتجد نفسك تتفاعل مع من حولك في نفس محيط اهتماماتك الفكرية.

 

بعد رحلتك الطويلة مع القراءة النقدية والكتابة الأدبية والتأمل الفكري.. ما هو تصورك لهذه الحياة؟
- "
تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد"

 

ما أبرز ما توقفت عنده في هذه الحياة؟
-
ألا أعيش في هذا الكون منفرداً، بل أن أجد مكاناً للآخرين من حولي حتى أستطيع أن أتعايش معهم بدلاً من أن أتصارع، فالحياة عطاء وتفاعل، تأخذ وتعطي، تسير في اتجاهين، وليس اتجاهاً واحداً، هنا تتكافل الحياة وينسجم كل شيء.

 

ما آخر كتاب قرأته؟
-
حقيقة في الآونة الأخيرة أصبحت قراءاتي قراءات بحثية، فأصبحت أقرأ أحياناً كتاباً أو كتباً بحثاً عن موضوع أو معلومة.

 

موقف لا تنساه ولا يزال عالقاً في ذاكرتك؟
-
نحمد الله على نعمة النسيان.
ما الموعد الذي تنتظره؟
-
مقابلة الملك الديّان.
إلى من تبيح بسرك؟
-
إلى نفسي.
ما الذي يصنع الأمجاد؟
-
المجالدة والإحساس بالذات، وكلاهما يستطيع المرء أن ينتج ويبدع ويقدم للناس ما ينفعهم ويثري وجدانهم.
متى تشعر بالندم؟
-
عندما يمر يوم دون أن أقرأ أو أكتب.
ما الهدف الذي سعيت إلى تحقيقه؟ وهل تحقق؟
-
رضا الله ثم رضا الناس.. ونتمنى أن نكون قد حققنا ما نرضى به.

 

 

كيف تستشرف مستقبل الأمة؟
-
المستقبل مظلم كثيراً بالنسبة للأمة، إلاّ إذا أخذت بما نادى به رجلان من السلف وهما: شيخ الإسلام ابن تيمية الذي نادى بالاعتماد على النقل، ويرى أنه لا يصلح شأن هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والآخر هو عبدالرحمن بن خلدون الذي نادى بالاعتماد على العقل في مواجهة شؤون الحياة والانطلاق إلى بناء الأمة من جديد، وهذا بلا شك إذا اجتمع العقل والنقل كان ذلك سبيلاً إلى نجاح الأمة.

 

إلى ماذا يأخذك السفر؟
-
السفر يشغل حيزاً كبيراً في حياتي، فأنا كتبت للسفر، سواء سفري أو سفر من أحب «خذني معاك إذا كنت مسافراً»، ففي السفر فوائد جمة.. السفر ثقافة وخيرات وتجارب، والسفر قد لا يكون بالجسد، بل بالعقل والفكر أيضاً.

 

ماذا تقول لجيل اليوم من الأدباء والمثقفين؟
-
أقول لهم: أكثروا الزاد فإن العقبة كؤود حتى تحققوا ما تصبون إليه ولا تستعجلوا بلوغ المرام فإن المستقبل لكم إن شاء الله.

 

وقت الفراغ.. كيف تقضيه الآن؟
-
رغم أنني إنسان متقاعد وصحتي ليست كما كانت، إلا أن الله قد غرس فيّ حب القراءة ومواصلة البحث والكتابة؛ لذلك ليس لدي وقت فراغ.

 

أبناؤك هل ساروا على خطاك ؟

- رزقت من زوجتي الأولى ولدان وثماني بنات، ومن زوجتي الثانية خمسة أولاد وبنتان ولله الحمد، وابني الكبير طارق يعمل في وكالة الأنباء السعودية، وولدي الثاني عبدالرحمن يعمل في الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالمدينة المنورة، أما الأبناء الآخرون وهم (فراس ومازن ونزار وحازم وصفوان) فيدرسون في مراحل تعليمية مختلفة، ولدي بنت لديها ماجستير في العلاج الطبيعي، وبنت أخرى لديها ماجستير في التاريخ، وثلاث بنات يعملن إداريات والبقية يدرسن في مراحل التعليم المختلفة.

 


 

عرفته الأجيال .. الدكتور محمد العيد الخطراوي .. معلماُ ومبدعاً وناقداً

عرفته الأجيال

الدكتور محمد العيد الخطراوي

معلماُ ومبدعاً وناقداً

 

بقلم: د. عاصم حمدان

أستاذ الأدب والنقد جامعة الملك عبد العزيز

المصدر: مجلة الخطوط السعودية "أهلا وسهلا"  يونيو 2007

 

نشأ جيلنا في المدينة المنورة يقرأ لأدباء مهدوا الطريق أمام الأجيال اللاحقة علماً وثقافة وفكراً، وكان من تلك الأسماء الكبيرة التي تطل علينا في صحيفة المدينة إبان صدورها بالمدينة وبعد انبعاثها الجديد في جدة منذ عام 2831هـ وكان من تلك الأسماء عبيد وأمين مدني وعبد العزيز الربيع وعبد الرحيــم أبو بكـر، ومحمد سعيد دفتـــردار،  وحسيــن الصيرفي، وعبد السلام هاشم حافظ، ومحمد هاشم رشيد، ومحمد كامل خجا، وعبد الرحمن رفة، ومحمد العيد الخطراوي.

 

وقد عرفت الأجيال في طيبة الطيبة ـ الخطراوي- معلماً للغة العربية في مدرستها العريقة التي تحمل اسم طيبة الثانوية، وللتأريخ فإن الطلاب بمقدار ما كانوا يفيدون من شرح الخطراوي في اللغة العربية نَحْوَاَ وَصَرْفَاَ كانوا يخشون من حدته، وإذا ما حدث أن بعضهم كان يمارس بعض الأساليب التي مردها إلى طيش ونزق الشباب مع بعض الأساتذة فإنهم كانوا يجدون الإقدام على شيء من هذا مع الأستاذ الخطراوي ضرباً من المستحيل، وكانت الأسر الميسورة في المدينة تفتح دور أبوابها للأستاذ الخطراوي مع مساء كل يوم ليزداد أبناؤهم معرفة باللغة العربية وأساليبها، وفي هذا دليل على أن الناس كانوا في تلك الحقبة وما سبقها يحرصون على استقامة ألسنة أبنائهم وكان البعض في سبيل تحقيق هذا المطلب يبعثون بأبنائهم إلى البادية لأخذ العربية من مناهلها الحقيقية .فالشاعر الكبير السيد عبيد عبد الله مدني "1324هـ أخرجه والده إلى حي "المغيسلة" وهي حارة عريقة ومعروفة في قباء وتسكنها فروع من قبيلة عوف المسروحية وخاصة ممن يعرفون "بالجبور" وقد أدركت في مطلع العمر أحد مشايخهم وكان صديقاً لوالدي اسمه الشيخ غازي بن مطيع، ويذكر الباحث إبراهيم المطوع بأنه "كان من عادة بعض أهل الحجاز أن يخرجوا أولادهم إلى البادية، لينشأ أولادهم على البداوة التامة مع الأمية الصرفة وليكتسبوا من عاداتهم الاعتماد على النفس والفروسية والحرية في القول والعقل" (انظر: الشاعر المؤرخ عبيد مدني ـ حياته وشعره، إبراهيم بن عبد الرحمن المطوع، ط1، 1419هـ- 1998م، ص40).

ويؤكد الباحث في الأدب السعودي الدكتور بكري شيخ أمين على أن أشراف مكة درجوا على أن يرسلوا أولادهم وهم في نعومة أظفارهم إلى البادية وخاصة إلى قبيلة "عدوان" في شرق الطائف وهي قرية من قبيلة سعد التي أرضع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم (انظر: الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، د.بكري شيخ أمين، ط3، 1984م، ص 143).

والخطراوي كزملائه في أسرة الوادي المبارك محمد سعيد دفتر دار، عبد العزيز الربيع، عبدالرحيم أبو بكر، عبد الرحمن الشبل، وغيرهم، لم تشغلهم أعباء التعليم عن التعاطي مع الأدب وشجونه.

 

شخصية موسوعية:

 

وتكشف مؤلفات الخطراوي المتعددة عن الجانب الموسوعي في شخصيته فهو يؤلف كتاباً مهماً في علم نفيس ونادر وهو علم الفرائض، وكان هذا الكتاب الموسوم "الرائد في علم الفرائض" مرجعاً للدارسين وطلبة العلم في المعاهد والكليات العلمية والشرعية لمدة طويلة من الزمن، كما أنه أبدع الشعر على نهج القصيدة الكلاسيكية وكذلك على النهج الحديث المعروف بنظام التفعيلة، وهو كبقية الشعراء السعوديين كانت القصيدة لديه تعبر عن الهم الوطني والقومي وهذا ما تكشف عنه القصائد التي ضمها ديوانه "غناء الجرح" والذي صدر عن نادي المدينة الأدبي سنة 7931هـ، حيث يذكر في مقدمة هذا الديوان بأنه يهديه "إلى كل مسلم ثار على ظلم الصهاينة الأوغاد وتمعر وجهه لحـرق المسجـد الأقصى فجهز غازياً أو حدَّث نفسه بالغزو والدفاع عن الحرمات".

وقد أدرج الناقد عبد الله عبد الجبار في كتابه التيارات الأدبية فصلاً عن النزعة الوطنية في الشعر السعودي الحديث مرجعاً هذه النزعة إلى "النكبات المتتالية التي مني بها الشعب العربي في فلسـطين والتي لم تزده إلا إيماناً بحقه السليب" ويورد الناقد عبد الجبار أبياتاً للشاعر طاهر زمخشري تتنفس وطنية وشعوراً صارخاً بضرورة تصدي الأمة لما أصابها من ظلم وعدوان من قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة بعد أن مكنت بريطانيا العصابات اليهودية من التسلل إلى أرض فلسطين العربية والمسلمة والاستيلاء عليها، فيقول الزمخشـري معبراً عن ذلك التفاعل الصادق مع هذه القضية الوطنية: 

 

ليس في الأرض للذليل ديار

وفلسطيـن للعروبـة دار

وقـرار التقسيم أسـود داج

وجلاء اليـهـود عنها نهـار

 

ومن أبيات هذه القصيدة الخالدة التي تصف بواقعية نشأة العصابات الصهيونيـة التي تخلص العـالم الغربي منها، وبعث بها إلى أرض فلسطين العربية والمسلمة:

 

أنفايـات ذلة وشقاء

لقطتها الأقطار والأمصـار

تبتغي في مرابض الأسـد داراً

وبلهف الأسود كيف القرار؟

هي أرض ومن دمـاء بنيـها

سوف تسقى إذا تمـادى النفار

فاكتبوا بالدمـاء صفحـة مجد

إنما المجـد للأبي شعـار

فالدم الصـارخ ينادي

وهو إن ثـار فالخوالج نـار

وبدنيا الكفـاح ترخص نفـس

بالنفـس وعزمهـا الجبـار

 

(انظر: التيارات الأدبية، عبد الله عبد الجبار، 1959م، ص 344- 345).

ويحتل الشعر الوطني عند الخطراوي مساحة كبيرة وفي أول إنتاج شعري مطبوع له نجد مطولـة له تحمل اسم "أمجاد الرياض" وقد صاغها مدحاً في الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود ـ رحمه الله ـ مشيداً بالوحدة الوطنية الكبرى التي تحققت على يديه بعد أن كانت الجزيرة العربية أجزاءً متناثرة يسودها الصراع وقطع طريق الحجاج والنعرات القبلية التي يرفضها شرع الله.

 ويختم الشاعر الخطراوي مطولته بالحديث عن جرح الأمة النازف لأكثر من نصف قرن من الزمن وهو الاحتلال الصهيوني لفلسطين العربية والمسلمة، وقد صاغ الخطراوي مشاعره إزاء ذلك بأسلوب شعري يتسلل إلى النفس في بساطة وعفوية وانسيابية فيقول:

 

أي فجـر على شفار السـلاح

يتنـزى معطـراً بالجـراح

بقع مـن دم توهـج نصـراً

عارمـاً يستحـث خطـو الصبـاح

مـن فلسطيـن نبضـه ورؤاه

من روابــي الرياض في الأرماح

كيف تغفو الرياض والقـدس يدمي

جرحهـا من خناجـر السفـاح

أهلها مارسوا الكفـاح قديماً

وبلوا ما بلـوا مـن الأتـراح

بث عبد العزيز فيهم حماسا ً

لفـداء الإسـلام بـالأرواح

وأتى فيصـل فـدعم فيـهم

خلق البـذل والعطاء والسماح

سل هضاب الجولان عنهم تجدهم

فتية آمنـوا بنيـل النجـاح

وأساطير خـوفهم من عداهـم

صلبوها على جـدار النـواح

 

فنون أخرى:

 

وطرق الدكتور الخطراوي فنوناً أخرى عرفها الشعر العربي منذ العصر الجاهلي ومرورا ً بالعصر الإسلامي وما بعده، ويأتي في مقدمتها "الغزل"، وعلى خلفية أن الخطراوي رجل تعليم وتربية، نجده في مقدمة ديوانه "همسات في أذن الليل" يدافع عن تجربته "الغزلية" وأنه أقدم على نشر ما أبدعه من شعر في هذا الفن حتى يبعد عن شخصيته ما يمكن أن يدخل في باب الازدواجية مؤكداً على أن الشعراء يجدون أحياناً حرجاً في رفع أصواتهم بشعر الغزل، ولكنه اعتبر إصدار هذه "المجموعة الغزلية في تضاعيف هذه النظرة الضيقة مجازفة لا يتجرأ عليها كثير من الشعراء"، ولكن الخطراوي يعود ليصنف هذا الضرب من الإبداع لديه بأنه يدخل ضمن ما عرف في العصور الأدبية الأولى بالشعر العذري، حيث يقول في هذا الشأن "وأنا أقول إن الغزل وخاصة ما كان منه عذرياً هو فن شعري راق يصدر عن إحساس مرهف ووجدان مضيء ونفس صـافية وشعور نبيل دفاق ليس فيه ما يدل على فساد في الطوية أو خلل في السرائر والدخائل كما قد يبدو لذوي النظرة القاصرة، وليس هذا مما يحط من قدر الشاعر أو القارئ في شيء، بل هو تصعيد للعواطف الإنسانية وسمو بها عن المسـتوى الجنسي الرخيص الهابط" (انظر: مقدمة ديوان محمد العيد الخطراوي الموسوم همسات في أذن الليـل، منشورات نادي المدينة الأدبي، ص6).

ولكن يبدو أن الخطراوي كبقية الشعراء ينتابه شعور بالصــــدمة فلا يتـردد في التعبير عنه متناسياً مشـاعره الوجدانية وسـط هول الفاجعـة، فيقول زاجـراً نفـسه عن مشاعر الحـب والوجد والهيام:

 

أيها القلب عش بغير شعـور

ليس في الكون مرفأ للشعـورِ

وتعام عن الجمال وحطـم

أكؤس السحر والهوى المقبـورِ

نضب الكأس في يـدي وخليلي

باخـل الكف هازئ بالسميــرِ

في خضم الغناء ألقـى بقلبـي

يا لَقلْبِـيَ المحٌطَّـم المكسـورِ

دمـه سـال قانيـا ً يتلظـى

فتلقتـه لفحـة من سعيـرِ

آه من قلبُه الخرابُ وويـلي

من جفاف الصحراء ذات الصخور

 

ويمزج الخطراوي أحياناً  في تجربته الشعرية بين موضوعات شتى فهو يبدأ مطلع قصيدته بألحان القلب وتطلعاته كما في مقطوعته "نشأت في لحن غجري" حيث ينشد قائلاً:

 

احملينـي على ذراع الحنـان

وامنحيني مرافأً للأمان

وهبي لي اليقين في زحمـة الدرب وجـودي بومضـة اطمئنانِ

فلقد ماتت الأماني بصـدري

وترامت على سفوح الزمـان

والظلام الرهيب عاث بنفـسي

والأعاصير عربدت في كيـاني

لا تقـولي فـات الأوان فإني

عشت أهفو لبارقات الأمـاني

 

ثم ينتقل فجأة لوضع الأمة العربية التي فقدت موقعها على خارطة العلم والحضارة والتقدم، مستخدماً بَعضْ الرُّموز الدالة على ماضي الأمة الحضاري من خلال بعض الإيماءات اللفظية مثل "دم الغافقي" "مسجد عثماني" وكأنه يلوذ بالماضي من حاضر الأمة المتردي، فيقولُ مجِّسداً تلك المشاعر:

 

رحـل القاطنـون في ليلـة

القدر وشاخت عزائم الصبيان

وأوروبـا تحثـو بأحنـائي

السخط، وتلقي في ناظري بالدخانَ

وتقيم الأعراس في متحف الشمـع

وفي الباسفيـك دون عنـانَ

ودم الغـافقي مـلء يديهـم

خمرة عتقت بـأزهى الدنانَ

وبقايـا من مصحـف ذهبي

في طلـــول من مسجـد عثمانيِ

خط فيه اليهـود سطرا ً مهينـاً

راح مستحـوذاً على الأذهـانَ

والمنايـا مـواسٌم تتحـدى

ما تبّقى في الَقـوم منُ عنُفـوانِ

 

ثم يتساءل الشاعر في خضم هذه المشاعر عن انبلاجة الصبح الذي تجد فيه الأمة انعتاقاً من ظلمة وظلام الأعداء فيقول:

 

أفلم يـأن للصبـح انبـلاج

يسكب النور في النفوس العـواني

وتـرى أمتـي طريق هداهـا

فلقد طال عيشها في هوان ضاق ذرعي بحاضر ٍ وبماض ٍ

وبآت ونـؤْتُ بالألحـان

 

(انظر: قصيدته "نشاز في لحن غجري" من ديوانه تفاصيل في خارطة الطقس، منشورات نادي المدينة المنورة الأدبي، ص55-60).

لا تخرج تجربة الدكتور الخطراوي الشعرية عن مُجايليه من شعراء المدينة الذين تميزوا في شعرهم بغنائية عالية مردها إلى بيئة المدينة التي عرفتْ هذا الضَّرب من الشَّعر منذ العصر الجاهلي، والذي حاول الدكتور الخـطـراوي الوقوف على جوانب منه في دراسته العلمية الموسومة "شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج" كما تميز شعراء المدينة بنفحة إيمانية وروحية سكبتها في حناياهم تلك النسمات العبقة المنبعثة من أحد، والعقيق" وقربان والعوالي وهي المواضع التي شهدت انبثاقة حضارة العقل والروح حيث آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وأبعد عنهم بتلك المؤاخاة الإيمانية شبح العصبية التي فرقتهم في جاهليتهم وسكبت دماءهم في صراع على كلأ وذبح شاة، وإن أعـداءهم ليتربصون بهم ليعيدوهم إلى تلك الحقبة المظلمة بعيداً عن ضياء الرسالة المحمدية والداعية إلى الحب والتآخي والمنكرة لكل ما يهدم النفس الإنسانية من داخلها أو يعرضها للانهيار، فلقد أجرى الإسلام أنهار الحب وجفف منابع الحقد والكراهية والعصبية.


موسوعة الأدباء السعوديين

موسوعة الأدباء السعوديين

المصدر: موسوعة الأدباء السعوديين ج 1 ـ ص 298

 

الدكتور محمد العيد بن فرج الخطراوي

ولد عام 1354 هـ.

·  حصل على ليسانس الشريعة من جامعة الزيتونة بتونس عام 1374 هـ، حصل على بكالوريوس في اللغة العربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1379 هـ.

·       حصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود بالرياض عام 1383 هـ.

·       حصل على الماجستير في الأدب والنقد من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة عام 1395 هـ

·       حصل على درجة الدكتوراة في الأدب والنقد من الكلية نفسها عام 1400 هـ.

 

الحياة العملية

1. عمل مدرساً بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة عام 1375 هـ.

2. عمل مدرساً بمعهد المجمعة العلمي الثانوي لمدة ثلاث سنوات من عام (1376 ـ 1379 هـ).

3. عمل مدرساً بالقسم العالي بمعهد إمام الدعوة لمدة ثلاث سنوات حتى عام 1382 هـ.

4. عمل مدرساً بكلية الشريعة بالرياض لمدة سنة واحدة حتى عام 1383 هـ.

5. عمل مدرساً للغة العربية مدرسة طيبة الثانوية المدينة المنورة عام 1383 هـ، فمدرس أول عام 1386 هـ، ثم وكيل للمدرسة عام 1391 هـ.

6. من عام (1394 ـ 1400 هـ) كان مديراً لمدرسة قباء الثانوية وهو مؤسسها.

7. عين أستاذاً مساعداً بكلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ثم وكيلاً لعمادة شؤون المكتبات بها في الفترة من (1400 ـ 1402 هـ).

8. عين أستاذاً مساعداً بكلية التربية فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنـورة في الفتـرة مـن عام 1402 ـ 1408 هـ)

9. .يعمل رئيساً لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية كما يعمل أستاذاً مشاركاً بالقسم نفسه.

 

النشاط العام

شاعر وكاتب ومعد برامج للإذاعة والتلفزيزن وأناشيد وطنية، كما يشارك بنشره وشعره ومقالاته في الصحف والمجلات بالإضافة إلى اشتراكه في الندوات والمحاضرات الثقافية.
عضو مؤسس بنادي المدينة المنورة وهو نائب رئيس النادي.
شارك في المؤتمر الأول للأدباء السعوديين عام 1394 هـ بملحمة شعرية أسماها " أمجاد الرياض " كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات التي تعقد حول الأدب مثل مؤتمرات الأندية الأدبية السنوية والمهرجان الوطني الثقافي بالجنادرية.
والدكتور الخطراوي متعدد القدرات، وهو كاتب إسلامي متميز، ومحقق للتراث الأدبي والتاريخي، وشاعر مبدع يدل على ذلك تنوع إنتاجه المدون أدناه.
ويتفرد الخطراوي في شعره بطابع مميز له نكهة خاصة تدل على الأصالة والابتكار وهو شاعر عذري يذكرنا بقيس وجميل وغيرهما.
ومن أعماله المطبوعة:

1. الرائد في علم الفرائض، الطبعة الأولى عام 1381 هـ ـ وقد ألف هذا الكتاب منذ ربع قرن عندما كان مدرساً لمادة الفرائض في معهد إمام الدعوة بالرياض.

2. ملحمة أمجاد الرياض ـ ديوان شعر ـ عام 1395 هـ ملحمة شعرية تصف حياة الملك عبد العزيز آل سعود منذ عام (1293 ـ 1373 هـ) ـ وكان قد ألقاها الشاعر في مؤتمر الأدباء السعوديين بجامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1394 هـ، كما أنها سبق أن طبعت الطبعة الأولى عام 1394 هـ في دمشق ـ 130 صفحة.

3. شعراء من أرض عبقر ـ دراسة ت جزءان ـ الجزء الأول عام 1398 هـ، والجزء الثاني عام 1399 هـ ـ نادي المدينة الأدبي ـ دراسة أدبية سبق أن قدمها المؤلف في الإذاعة السعودية تحت نفس العنوان ـ ثم جمع هذه الدراسات في هذا الكتاب، وقد اتبع المؤلف طريقة مدرسية في تقديم هذه الموضوعات إلى السامع ثم إلى القارئ إذ كان يدرس الشاعر ممن قدم من الناحية الأدبية والتعريف به ثم يدلل على ما يقول بنماذج من شعره.

4. همسات في أذن الليل ـ ديوان شعر ـ نادي المدينة الأدبي عام 1397 هـ ـ 152 صفحة ـ طبعة أنيقة.

5. غناء الجرح ـ ديوان شعر ـ نادي المدينة المنورة الأدبي عام 1397 هـ 141 صفحة.

6. المدينة في العصر الجاهلي، الحياة الأدبية ـ دار التراث بالمدينة المنورة عام 1404 هـ 642 صفحة، والكتاب دراسة أدبية للمدينة قبل الإسلام.

7. المدينة المنورة في العصر الجاهلي ـ الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية ـ دار التراث بالمدينة المنورة ـ عام 1403 هـ ـ 288 صفحة، والكتاب دراسة متخصصة في النواحي المذكورة في العنوان وهو حلقة من سلسلة دراسات حول المدينة التي يقوم المؤلف على نشرها سواء أكانت من التأليفات الحديثة أو تحقيق التراث.

8. المدينة المنورة في صدر الإسلام ـ الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية ـ دار التراث بالمدينة المنورة ـ عام 1404 هـ ـ 121 صفحة، الكتاب دراسة متخصصة في الموضوعات المذكورة في صدر الإسلام، والكتاب إحدى حلقات سلسلة دراسات حول المدينة.

9. المدينة المنورة في صدر الإسلام ـ الحياة الأدبية ـ دار التراث بالمدينة المنورة 1404 هـ، دراسة أدبية للمدينة في صدر الإسلام.

10.ديوان محمد أمين الزللي ـ من شعراء المدينة في القرن الثالث عشر ـ تحقيق ـ دار التراث بالمدينة عام 1405 هـ، وقد قام الدكتور الخطراوي بتحقيق ودراسة الديوان وهو أحد الكتب التي يقوم الدكتور الخطراوي بإصدارها تحت عنوان " دراسات حول المدينة " فقد قدم للديوان بمقدمة طويلة درس فيها حياة الزللي من مختلف جوانبها ووصف النسخة التي اعتمدها أصلاً في التحقيق والنشر وبالإضافة إلى التعليقات والشروحات والهوامش

11.. عارف حكمت ـ حياته وآثاره، تأليف محمد بن عبد الله الآلوسي (1217 ـ 1270 هـ) ـ تحقي ودراسة دار التراث بالمدينة عام 1403 هـ ـ 248 صفحة. وعارف حكمت هو شيخ الإسلام في العهد العثماني دو اليد البيضاء على المدينة المنورة وعلى أهلها بل على رجال العلم بما هيأه لهم بإنشاء خزانة العلم الزاخرة بنفائس الكتب والمؤلفات. فقد قام الأستاذ المحقق بترجمة للشيخ عارف حكمت وصدر الكتاب بمقدمة ضافية حول الكتاب وموضوعه ووصف النسخة التي اتخذها أساساً في التحقيق بالإضافة إلى إلحاق فهارس ضافية للكتاب ـ وهذا الكتاب حلقة في سلسلة دراسات حول المدينة التي يتوفر الدكتور الخطراوي على إصدارها تباعاً.

12.ديوان عمر إبراهيم بري ـ تحقيق ودراسة ونشر الدكتور الخطراوي ـ دار التراث بالمدينة المنورة عام 1406 هـ ـ 256 صفحة. الشيخ البري أحد علماء وشعراء المدينة في مطلع القرن الرابع عشر الهجري وقد قام الدكتور الخطراوي بجمع وتنقيح وتحقيق وتقديم دراسة الديوان، وهذا جهد كبير، وهذا الديوان حلقة من سلسلة دراسات حول المدينة.

13. الفصول في سيرة الرسول ـ للحافظ ابن كثير ـ الطبعة الرابعة ـ دار التراث بالمدينة عام 1405 هـ ـ تحقيق الدكتور الخطراوي بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدين مستو.

14. المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية ـ للحافظ المقدسي ـ دار التراث بالمدينة المنورة ـ الطبعة الثانية عام 1403 هـ ـ تحقيق الدكتور الخطراوي بالاشتراك مع الأستاذ محيي الدين مستو.

15. ديوان الأسكوبي ـ تحقيق ونشر ـ دار التراث بالمدينة المنورة

16.المقارضات الشعرية وأثرها ـ دراسة.

17.حداء القافلة ـ ديوان شعر.

18.المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي ـ تأليف الحافظ المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (831 ـ 902 هـ) ـ حققه وعلق حواشيه الدكتور محمد العيد الخطراوي ـ مكتبة دار التراث بالمدينة المنورة ـ الطبعة الأولى عام 1409 هـ ـ 208 صفحة، الكتاب ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول ـ ما قام به المحقق وهو كما يلي:

(أ) مقدمة المحقق وقد ذكر فيها الدوافع التي حدت به إلى تحقيق الكتاب.

(ب) ترجمة المؤلف وقد ذكر فيها المحقق اسمه ومولده محدداً ذلك بالزمان والمكان، ودراسته الأولى وأخذه عن المشايخ بعد وفاة شيخه ابن حجر دراسته وذكر الأماكن التي درس بها، مؤلفاته، وقد أورد المحقق قائمة بها حيث بلغ عددها 138مؤلفاً ومناقشة بعض المعاصرين له، وصف النسخ المعتمدة في التحقيق المخطوطة(أ) والمطبوعة (ب)، اسم الكتاب وصحة نسبته إلى مؤلفه.

(ج) عمل المحقق:

بنى السخاوي ترجمته للنووي على ترجمة تلميذه علاء الدين بن العطار. صنع عناوين لموضوعات الترجمة ووضعها بين أقواس مركنة واكتفى أحياناً بوضع الفقرات مسبوقة بدائرة سوداء.

قام المحقق بعزو الآيات إلى مواضعها في السور والأحاديث إلى مواضعها في كتب الحديث المعتبرة أو التي أشار إليها المؤلف.

ترجم للأعلام الذين وردت أسماؤهم على كثرتهم.

قارن بين المطبوع والمطبوع بغية الوصول إلى صيغة أصح للنص.

كتب بعد ذلك مقدمته للتحقيق، شملت ترجمة المؤلف ووصف النسختين اللتين اعتمد عليهما التحقيق، وتحرير اسم الكتاب وبيان ما قام به من عمل لإخراجه كما ذكرنا.

القسم الثاني ـ وهو أصل الكتاب بعد التحقيق: وقد بدأ من صفحة 33، وقام المحقق بالتعليق على النصوص ويشمل الكتاب على: مقدمة المؤلف: نسبه ونسبته، مولده ونشأته، انتقاله إلى دمشق، سفره للحج، اشتغاله بالعلم، شيوخه في الفقه، الطريق، القراءات، الحديث، اللغة والنحو والصرف، أصول الفقه، وفي الحديث مسموعاته، تصانيفه، مؤلفاته، نبذة عن كلام العلماء في كتبه وفكره، الوظائف التي تولاها،من شعره، تلاميذه، صفاته ومناقبه، تقدمه في العلم وكثرة عبادته، وروعه وخشونة عيشه، مناصحته لحكام عصره، من أفرده بالترجمة، من ترجمه مع غيره، وسلسلته في الفقه وأهمية معرفتها، من رواة كتبه، مرويات السخاوي عنه، وفاة النووي رحمه الله، وذكر من رثوه، آخر المخطوطة، فهرس الأعلام، المترجمين، فهرس الموضوعات.

19.المنهاج السوي في ترجمة الإمام النووي ـ للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (849 ـ 911 هـ)، تحقيق الدكتور محمد العيد الخطراوي ـ دار التراث بالمدينة الطبعة الأولى عام 1409 هـ ـ 126 صفحة، والكتاب ينقسم إلى قسمين:

أولاً: ماقام به المحقق:

·       مقدمة المحقق وقد ذكر فيها الأسباب التي دعته إلى تحقيق هذا الكتاب.

·  ترجمة المؤلف وقد ذكر فيها المحقق اسم المؤلف ومولده محدداً ذلك بالزمان والمكان، وحياته العلمية ومكانته العلمية بقلمه، كما ذكر قوائم بمؤلفات السيوطي وعددها 866 مؤلفاً في شتى العلوم والآداب ـ منافسته لمعاصريه وتطاوله عليهم، وصف النسخ المعتمدة في التحقيق وهي :المخطوطة (أ)، المخطـوطـة (ب)، ثم ذكر المحقق أن هذا الكتاب لم يسبق له أن نشر حسب علمه

·       عمل الدكتور الخطراوي في التحقيق:

(أ) قارن بين النسختين مقارنة دقيقة، بغية الوصول بالنص إلى اقرب صورة صحيحة، وقد استعان في التحقيق ببعض كتب التراجم وبعض الكتب التي رجع إليها السيوطي أو التقي مع السخاوي في الأخذ عنها مثل: طبقات الشافعية الكبرى، المنهل العذب الروي ـ نفسه للسخاوي

)ب) صنع عنوانات لموضوعات الرجمة مما لم يضع له السيوطي عنوانا وقد وضعها بين أقواس مركنة لتمييزها.

)ج) قام المحقق بعزو الآيات إلى مواضعها في السور، والأحاديث إلى مواضعها في كتب الأحاديث المعتبرة أو التي أشار إليها المؤلف.

)د) كتب مقدمة عن المؤلف(1).

·  كما اشتمل عمل المحقق على إرفاق صور من صفحات المخطوطتين وهي الصفحة الأولى والثانية والأخيرة من المخطوطة (أ) والصفحة الأولى والثانية والأخيرة من المخطوطة (ب).

ثانياً ـ القسم الثاني وهو صلب الكتاب بعد التحقيق ويشتمل على ما يأتي:

مقدمة المؤلف وقد ترجم فيها للنووي حيث ذكر نسبه ومكان ولادته ونشأته وانتقاله إلى دمشق ورحلته إلى الحج ودراسته، وذكر شيوخه من مسموعاته، وبعض صفاته، وذكر بعض من أخذ عنه كما ذكر تصانيفه، وذكر شيء من مكاتباته، وذكر وفاته رحمه الله، وذكر شيء مما رثى به، وخاتمة مشتملة على فوائد وإسناد حديث الشيخ رحمه الله، آخر الكتاب، آخر النسخة (أ)، آخر النسخة (ب)، ثم يأتي الفهارس وهي: فهرس الأعلام وفهرس الموضوعات، وقائمة بمؤلفات المحقق.

20.المرور بين العلمين في مفاخر الحرمين ـ تحقيق ـ تأليف علي بن محمد (كلمة غير واضحة في الأصل) مكتبة دار التراث بالمدينة المنورة عام 1407 هـ ـ 132 صفحة ـ دراسات حول المدينة المنورة رقم 11. يعالج الكتاب قضية التفضيل بين مكة والمدينة، وهي قضية شغلت أذهان كثير من المسلمين على مستوى العامة والخاصة، مما جعل سلف هذه الأمة لايحبذ الخوض في هذه القضية، فكلا البلدين محبب إلى الله ورسوله، مخصوص بمجموعة من الفضائل. وقد ألف السيوطي رسالة في هذه القضية سماها " الحجج المبينة في التفضيل بين مكة والمدينة "، وهي مطبوعة، وكتب المؤلف في هذا الموضوع، بأسلوب المقامة ونهج فيها أسلوب السجع والمحسنات المختلفة، كما هو الشأن في المقامات. وقد جرت أحداث المقامة بين مكة والمدينة في مجلس واحد، ثم انتقلت إلى مجلس السلطان للاحتكام عنده وعرض مشاكلهما لديه، وفي أثناء عرض هذه المشاكل كشف عن جوانب اجتماعية كانت قائمة زمانه بالبلدين المشرفين كما كشف عن مدى ارتباطهما السياسي بسلاطين المماليك. فالمقامة من هذه الناحية مرتبطة بعصرها أيما ارتباط.
وتم تحقيق الكتاب بالاعتماد على مخطوطة وحيدة في مكتبة الظاهرية بدمشق وقام المحقق بعزو الآيات والأحاديث والأشعار والأمثال إلى مصادرها وشرح الكلمات اللغوية الصعبة. كتب مقدمة طويلة للتحقيق شملت الحديث عن نسب المؤلف وأعلام أسرته وحياته وشيوخه وتلاميذه، مع ذكر أمراء المدينة الذين عاصرهم، كما تضمنت الحديث عن المقامة، وعمن قرضها من الأدباء والعلماء(2).
21
ـ شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس والخزرج ـ دمشق ـ مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى عام 1400 هـ ـ 192 صفحة ـ دراسات حول المدينة المنورة رقم 1، التي يعمل المؤلف على إخراجها ـ الأوس والخزرج قبيلتان كانتا تقطنان المدينة قبل الإسلام، وشكلتا بعد الإسلام ما عرف بالأنصار لنصرتهما للدعوة الإسلامية، وقد كانت لهاتين القبيلتين أيام مشهورة في الجاهلية والإسلام بطولية رائعة بمعانيها المختلفة صورها بقصائدهم، وخلدوها في أشعارهم وهي موضوع هذا البحث.

وقد قسم المؤلف بحثه إلى سبعة فصول:

الفصل الأول: عن نسب الأوس والخزرج ونزولهم يثرب

الفصل الثاني: يثرب ومنازل الأوس والخزرج فيها.

الفصل الثالث: اليهود في يثرب.

الفصل الرابع: آطام يثرب.

الفصل الخامس: المجتمع اليثربي.

الفصل السادس: في أيام الأوس والخزرج وما ورد فيها من أشعار، وقد ذكر في هذا الفصل الأيام والحروب التالية: سمير، كعب بن عمرو، السرارة، الحصين بن الأسلت، الربيع، فارع، حاطب، البقيع، الفجار الأول، مضرس، معبس، بعاث، الفجار الثاني، مواصلة الحرب في بعاث.

الفصل السابع ـ وهو الأخير ـ فقد جعله المؤلف للموازنة بين شعر الحرب عند الأوس والخزرج وعند غيرهم، ثم الخصائص العامة لشعر الحرب عند الأوس والخزرج.

بآخر الكتاب خاتمة بالموضوع(3).

 

------------------------

(1) المنهاج السوي ص 26.

(2) مجلة عالم الكتب لشهر محرم 1409 هـ ـ صفحة 453.

(3) مجلة عالم الكتب لشهر ربيع الآخر لعام 1401 هـ ـ ص 616.


قراءة في كتاب محمد عالم أفغاني من رواد المقالة والترجمة والقصة

 

 

قراءة في كتاب

محمد عالم أفغاني من رواد المقالة والترجمة والقصة

للدكتور محمد العيد الخطراوي

دراسة : محمد الدبيسي

أديب وناقد سعودي

 

مدخل:

يمثل محمد عالم أفغاني قيمة ريادية في مراحل تأسيس الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية ، والحجاز خصوصًا

الذي توافر كإقليم مكاني على جاهزية بيئية ، وأنظمة اجتماعية ، أفرزت خطابها الثقافي مبكرًا.

وبذلك تكمن أهمية هذا الخطاب في طبيعته التكوينية التي كانت مهادًا أوليًا لعطاءات الحركة الثقافية وأنساقها المتعددة .

وبذلك يصير درس وقراءة نماذج ذلك الجيل ، مسارًا وجيهًا يضيء ملامح مرحلة هامة من مراحل التاريخ الأدبي .. ويربط وعي القارئ المعاصر بمعطيات مرحلته الراهنة ، ويكشف في الآن ذاته رؤية جيل التأسيس ، لاسيما في فن سردي كالقصة ، تحيط بشروط وجودها عوامل اجتماعية وثقافية قد لا تجد سندًا ثقافيًا موضوعيًا يساعد على تبلورها .

 

دراسة الخطراوي تؤكد على إسهام بيئة المجتمع الحجازي في إثراء فن السرد:

 

ولذا تأتي دراسة الدكتور محمد العيد الخطراوي المعنونة (( محمد عالم أفغاني من رواد المقالة والترجمة والقصة )) ([1]) في سياق الدرس الأدبي بمؤشراته التاريخية ، مؤكدة على إسهام بيئة المجتمع الحجازي في إثراء فن السرد ، وإنتاج نماذجه الأولى ، والتي أعلنت انبثاق وعي فئة من المثقفين على مجال للتعبير الجمالي غير الشعر .

وقد أدرك المؤلف ذلك في وقت مبكر ، معلنًا قدرة المكان على هذا الإسهام الثقافي الجاد : (( أدركت في وقت مبكر أن البيئة المدينية قد أسهمت بتقديم مجموعة من القصاصين الرواد الأوائل ، منهم : عبد القدوس الأنصاري ، وأحمد رضا حوحو ، ومحمد عالم أفغاني ، وأمين مدني ، وأحمد بشناق ، وعبد السلام هاشم حافظ ، وغالب أبو الفرج ، ومحمود مشهدي ، ومحمد سعيد دفتردار ، وغيرهم ))([2]) .

 

فهذه الكوكبة من الرواد قد أدركها المؤلف معايشة ومعاصرة ، وخبر عن قرب دورها الريادي ، وحرصها على تأسيس فعل ثقافي بجهود فردية ، وبواعث ذاتية صادقة ومخلصة ، ومن المؤكد على الهدف التاريخي للكتاب ، هو تأكيد عنوانه على ريادة الأفغاني لثلاثة مجالات ثقافية (( القصة والمقالة والترجمة )) .

وهو هنا يؤكد تواترًا قدرة البيئة المدينية على إنجاب مثل هذه النماذج الثقافية متعددة المواهب والقدرات .

 

سيرة محمد عالم أفغاني ودوافع إبداعه

 

وفي مهادات الكتاب يعرض المؤلف للملامح التقليدية لسيرة محمد عالم أفغاني الذاتية ، مولده ودراسته واهتماماته ، ويشير إلى محفزات الأداء الإبداعي للأفغاني وجيله ، ومدى الحماسة الشخصية التي تدفعهم للعطاء والإنتاج ، وحرصهما على الإلمام بجوانب متعددة من البنى الثقافية الإجادة فيها .

كما يقدم المؤلف عدة شهادات من أدباء الحجاز على براعة وتميز الأفغاني وحماسته المتقدة .

ويشير المؤلف هنا إلى (( أن الأفغاني وحوحو كانا يُحِسَّان بافتقار أدب بلدهما السعودية إلى هذا الفن الأدبي الجديد ، فلم يقتصرا على محاولة الكتابة فيه ، بل دعيا الكتَّاب إليه ، وقاما بترجمة بعض القصص إلى العربية ))([3]) .

وفي هذه الإشارة دلالة على أن ثمة همًا مشتركًا يجمع بين أديبين من بيئة واحدة إلى النهوض بمسألة الترجمة استشعارًا لأهميتها ، إدراكًا منهما لفاعليتها في إثراء الأدب ، وللمهتمين به ، في وقت لا تزال الأمية تلقي بمعضلاتها على كثير من أفراد المجتمع آنذاك !!

والمتأمل لتفاصيل الجانب الذاتي من حياة الأفغاني كما أوردها المؤلف الدكتور الخطراوي يلحظ إلمام الأخير بإبراز المعوقات الشخصية التي لازمت الأفغاني وكفاحه المشرف في سبيل صياغة وجه ثقافي لمجتمعه ، ودأبه المتواصل على تجسيد عطائه الأدبي وترجمته على واقع فعلي ملموس .

 

التركيز على ريادة محمد عالم أفغاني دون التعمق في دراسة تحليلية لأدبه:

 

وإذا كان المؤلف غير معني بدراسة تحليلية معمقة لدور الأفغاني الأدبي بقدر عنايته في إبراز ريادته الأدبية تاريخيًا ، وبشكل مجمل ومختصر ، يفتح آفاق مثل هذا المسار التحليل أمام القراء والباحثين ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : (( وإنني أعلم مسبقًا أنني لم أتعمق دراسة الأفغاني ، ولا تتبعت خصائصه الفنية فيما كتب ، ولكنني أعلم في الوقت نفسه أنه يقدم لأول مرة على النحو الذي قدمته به ، وأنني حاولت أن أضعه في مكانه الصحيح من خريطة مسيرة نهضتنا الأدبية المعاصرة ))([4]) .

ثم يشرع المؤلف في تتبع عطاء محمد عالم أفغاني في المقالة والترجمة والقصة ، فيفرد القسم الأول من الكتاب للمقالة :

والتي قدم فيها نماذج من مقالات الأفغاني ، والتي جاءت أولاها بعنوان : (( الأدب القصصي في الحجاز - نواحي الضعف في أدب الحجاز ))([5]) ، وفي هذا المقال يبرز وعي الأفغاني بمعضلات الأدب في الحجاز ، وأسباب ضعفه في ذلك الوقت .

ويرى الأفغاني أن ثمة سببين لا ثالث لهما شكلا هذه المعضلات ، وهما :

1 - (( هذا التعليم المدرسي المحدود ، هذا التعليم الذي لم يتعد حتى الآن البرنامج الابتدائي ، وهو أول وأبسط الدرجات التعليمية في العالم جميعه )) .

2 - (( ثم عدم تكون ( روح القراءة ) فينا ، وأعني بها القراءة المستمرة المنظمة لما أخرجته وتخرجه المطابع في كل يوم ؛ من كتب ناضجة تتناول أشتات العلوم والآداب والثقافات ))([6]) .

وتبرز هذه المجتزأة من مقالة الأفغاني وعيه بأهمية التعليم في الإعداد الثقافي ، ومدى أهمية تأثيره وهو على تلك الحالة في تواضع الأدب وضعفه ، وكذلك ما أسماه (( روح القراءة )) والشغف بالاطلاع ، لإيجاد مناخ أدبي وتنشيط لوعي المجتمع بأهميتها .

كما يستعرض في مقالته نماذج لنصوص قصصية لمعاصريه ، مثل عبد القدوس الأنصاري ، وعزيز ضياء ، وحسين سرحان .

وفي هذا القسم يقدم المؤلف ( عشر مقالات ) للأفغاني ، تبرز وبوضوح مزاجه الفني ومدار اهتماماته الأدبية ، ومدى إلمامه بالمشهد الثقافي في عصره ، وأهم القضايا المؤثرة في ذلك المشهد .

أما القسم الثاني فكان عن المترجمات .

وفيه عرض المؤلف ( ثمانية نصوص ) مترجمة من الأدب التركستاني والياباني والغربي .

أما القسم الثالث فكان عن قصص الأفغاني :

القصة عند الأفغاني هي أبرز إنتاجه الأدبي:

 

وفيه قدم المؤلف ( ثلاثة عشر نصًا قصصيًا ) وهو الجانب الأبرز في مشواره الأدبي ، والمجال الذي اشتهر به في أدبنا المعاصر ، والذي عده مؤرخو الأدب في بلادنا من رواده ومؤسسيه .

والمتأمل لقصص الأفغاني في نماذجها التي قدمها الدكتور محمد الخطراوي يلحظ براعة حسه التصويري في التقاط مناطق حساسة من واقع الأحداث التي يقدمها ، ومدى تأثره بالبيئة الاجتماعية بالمدينة المنورة ، وانعكاسها جماليًا على نصوصها ، لاسيما في قصتي (( صورة من حياة الصيف بالمدينة المنورة ))([7]) ، و (( أحلام ))([8]) حيث يجسد تفاصيل البيئة والإنسان بالمدينة عبر نماذجه القصصية ، وربطه لها ببؤرة الحدث القصصي ، وإعطائه مدى للتفاعل من خلال الحوارات التي يعقدها بين الشخصيات ، بالرغم من وضوح تأثره بالنماذج المعاصرة من كتاب القصة في الوطن العربي ، ولاسيما يحيى حقي في انتقاء شخصيات بعينها ، وتصوير شحناتها النفسية ، وتواتراتها إلى مشهد النص القصصي .

وهو ما يؤكد وجاهة اعتبار الأفغاني رائدًا مؤسسًا لهذا الفن في بلادنا .

إن الكتاب الذي يقدمه الخطراوي بالرغم من كونه معنيًا بالجمع ولم شتات هذه النثارات من أدب الأفغاني ، فإنه يشير إلى علاقة مهمة في خطابنا الثقافي المعاصر .

وتكمن هذه العلاقة في إضاءة جوانب مهملة لفاعليات مهمة في تاريخنا الثقافي . يكون محمد عالم أفغاني نموجًا بارزًا فيها .

ويؤكد في الآن ذاته ، تواصل إنجازات هذا الخطاب ، وتوالي عناصره الزمنية والإنسانية متسقًا مع مفهوم ارتباط الخطاب الثقافي ذاته ، بمرتكزاته التأسيسية ، ومهاداته التي كوَّنت أرضية حيوية لازدهاره فيما بعد .



([1]) محمد عالم أفغاني من رواد المقالة والترجمة والقصة ، د. محمد العيد الخطراوي ، الطبعة الأولى ، النادي الأدبي الثقافي ، جدة ، 1423هـ .

([2]) المرجع نفسه ص 5 .

([3]) المرجع نفسه ص 13 .

([4]) المرجع نفسه ص 6 .

([5]) المرجع نفسه ص 14 .

([6]) المرجع نفسه ص 14 .

([7]) المرجع نفسه ص 137 .

([8]) المرجع نفسه ص 142 .


قراءة في التجربة الشعرية للدكتور الخطراوي

قراءة في التجربة الشعرية للدكتور الخطراوي

 

بقلم

د / محمد صالح الشنطي

 

من التعبير إلى التشكيل

قراءة في التجربة الشعرية للدكتور الخطراوي

 

الحديث عن الشاعر الدكتور محمد الخطراوي ليس مجرد معالجة لظاهرة شعرية فريدة، بل رصد لاتجاه فني في الشعر العربي السعودي المعاصر، لا يناصب الحركة التجديدية العداء ولا ينغلق دونها، ولكنه ربما فهمها فهما مغايرا لشعراء الحداثة، فهو ينظر إلى الشعر في ارتباطه بالتراث الجمالي وبتيار الحياة المتدفقة يتصالح مع الذوق العام ولا يبتعد عنه ولا يتعالى على الشرائح ذات الثقافة المتوسطة، يتعامل مع المناسبة انتقل تدريجيا من الشكل التناظري للقصيدة إلى التفعيلة ولكن منطق (التعبير) ظل مدخله إلى الممارسة الإبداعية غير أن قضية (التشكيل) كانت هما من همومه الأساسية، تفاعل مع ما تقدمه الساحة، ولكنه ظل متحفظا إزاء موجة (الحداثة) فوقف في مواجهة الغموض الكثيف الذي أصاب القصيدة وجعل منها ظاهرة مستغلقة الفهم في بعض الأحيان، وفي هذه المقالة سأحاول أن اقف عند أهم الظواهر الجمالية لهذا التيار من خلال أعمال الشاعر الخطراوي محاولا رصد محطات تطوره.

والدكتور محمد العيد الخطراوي من الشعراء المكثرين، فقد صدر له حتى الآن فيما أعلم ما يقرب من سبعة دواوين شعرية، وما زال ينشر العديد من القصائد في الصحف والمجلات ومنذ ديوانه غناء الجرح يبدو أقرب إلى الشعراء الوجدانيين الذين انتهجوا سبيل الابتداعيين موضوعيا وفنيا فقد راوح من حيث البناء بين المعمار القائم على توالي المقاطع المتعددة القوافي المرتكزة على تكرار لنقطة معينة أو صيغة أسلوبية مخصوصة يجعلها متطلبا لوثباته الانفعالية التي تأتي في شبه موجات متلاحقة تتداعى وتتراكم عبرها الصور الشعرية في تجلِّياتها المجازية القائمة على التشخيص في معجم رومانسي يجمع بين مفردات الطبيعة وألفاظ العاطفة المشبوبة في سلسلة من اسماء المعاني المطلقة ترفدها قافية ممدودة ما قبل الروي، ومحتشدة ابياتها بالنعوت المتتالية، حيث يبسط الشاعر شكواه وانفعالاته في بحر من البحور ذات الإيقاع المتقافز المندفع، ويبلغ الانفعال ذروته حين يرتد الشاعر إلى أروقة التاريخ يستدعي الأحداث والأشخاص والأماكن في خطاب ممرور شجي، ثم يهدأ على أريكة الاستشراف المتفائل للمستقبل يختتم القصيدة بتقرير لما سيكون عليه الآتي من الأيام مستشهدا بحقيقة يقررها عبر تذييل محكم كما في قصيدته الأولى من ديوانه غناء الجرح حيث يختتمها بقوله:

 

ولسوف ترجع قدسنا فالقدس مقبرة الغزاة

 

مما يذكر بقول الشاعر هارون هاشم رشيد

 

أنا لي غد، وغدا سأزحف ثائرا متمردا

أن الصياغات اللغوية التي تتراوح بين الجمل الإخبارية التي تستقصي الحالة وتتوالى معطوفة بحرف الواو الذي يوحي بالتراكم فهو لمطلق الجمع والجمل الاسمية الحالية، والجمل الماضية السردية السياق تشيع في معظم قصائده الأولى, وتسهم القوافي المزدوجة في شحن القصيدة بالايقاع، ويتبدى النهج الخطابي الذي تعلو فيه النبرة وتتماثل الصياغات وتتكرر الأداة في إيقاع متلاحق كما في قصيدة  (أطلال كرامة) والمزج بين الذات والموضوع عبر منحى التوصيف والتوجيه والتبرير والشكوى من الملامح الأساسية في التشكيل الجماعي للقصيدة، فهو في مناجاته وحديثه عن نفسه وفي معرض التشبيهات المتلاحقة التي يوظفها الشاعر من أجل توضيح مشاعره إذ لا تتعدى في علاقاتها التماثل يسوق الحالة العامة كمشبه به فيعكس طرفي التشبيه كقوله:

 

أنا شاعر قد هزّه

ألق الشباب فما التزم

أنا ظامئ والماء في

بئر بلا دلو يزم

عبث السهاد بناظري

حيث الوليد بعقد أم

أو كالدروب بلاجىء

لفظته أمواه النقم

 

ومما يميز هذه المرحلة في شعر الخطراوي التمحور حول الذات والتمركز داخل اللحظة وحوار الآخر وخلع المشاعر الذاتية على المخاطب وتقمصه، وتمثيل الحالة عبر الخطاب وحشد العناصر الموحية بالهزيمة والاندحار في الصورة الشعرية، وهذه العناصر المستلهمة من الطبيعة والكون توحي بالتوقف بعد الحركة والعجز عن الانطلاق كالإبحار والطيران، فالشراع المثقوب والطير المكسور الجناح من العناصر التي يتكىء عليها الشاعر في نسج اللوحة الرومانسية, بالإضافة إلى النداء الذي تعقبه سلسلة من الأسئلة التي تتداعى في إلحاح يكشف عن العجز، وتبدو القفزات الوجدانية واضحة في استهلال المقاطع بالنداء واختتامها بالاستفهام أو النفي أو النداء، وهو ما ينبىء عن القلق والحيرة, وقد يلجأ الشاعر إلى المعجم الكلاسيكي المحتشد بالعبارات الفخمة والقوافي ذات الإيقاع المجلجل خصوصا في قصائد المناسبات كتلك الموسومة بـ (أمسية في العيد) ، ومهداة إلى فضيلة الشيخ محمد الحافظ.

ومن الملامح الواضحة في بناء القصيدة عند الشاعر الإلحاح على جزئيات الصورة والعطف المتصل بين بعض عناصرها أحيانا في منهج وصفي تصويري يتوسل بالسرد:

 

ما للعيون عافها البريق

وضل عنها النور في الشروق

فبقيت كمحجر عتيق

في متحف مهجور

من سالف الدهور

تجمعت فيها خنافس صغار

وزمرة من الصراصير اللصوص

 

ومن اللافت للانتباه أن أنفاس السياب تتردد في إيقاعات القصيدة ومعجمها، ويلجأ الشاعر إلى التمثيل الكنائي الذي لا يصل إلى حد الرموز وإنما يبدو اقرب إلى سطح التقدير والمباشرة حيث ترد المعاني عارية في إطار النهج الاستعاري القائم على بالتشخيص، كما في قصيدة نداء المجد التي قالها الشاعر بمناسبة حرق اليهود للمسجد الأقصى، حيث يعقب المشهد التمثيلي البوحي القائم على عناصر مطلقة من إسار التحديد هائم في فضاء التجريد ما يشبه التحليق والاستثارة بالنداء والأمر المتوسل بالحيثيات المصاغة في جمل اسمية مؤكدة تقريرية الطابع والاستئناس بالتاريخ والاستشهاد به والقذف بالحكم المنثورة، ويمزج ذلك بالأغراض التقليدية كالفخر وقفل القصيدة بالخاتمة المتفائلة ويورد الشاعر بين الحين والحين قصائد قائمة على التفعيلة على النهج السيابي ففي قصيدته الانشودة المبحوحة ما يذكرنا بأنشودة المطر للسياب في قوافيها الممتدة الساكنة, ومن استعراضنا لعناوين قصائد الديوان نلاحظ أن اغلبها مكون من مضاف ومضاف إليه وهذا يوحي بأنها تتحدث عن حالة مستقرة يتخذ منها الشاعر موقفا ويعمل على توصيفها أو استقصائها، وهي تنطوي وفقا لتراكيب العنوانين على ثنائية (ما) مرهون إحدى طرفيها للآخر، بينهما علاقة محكمة ليس من السهل قصمها خصوصا إذا كان المضاف دالا على مطلق مثل المصدر، وكانت العلاقة كنائية أو قائمة على المجاز معبرة عن محتوى انفعالي خاضع لمنطق العاطفة ومقتضياتها مثل (قافلة الصباح) ،و(شفاه الظلام) و(أطلال الكرامة) و(غناء الجرح) و(حصاد الشوك) و(نثار النعش) وما إلى ذلك, وتتضمن الإضافة في كل عنوان موقفا وجدانيا واضحا فالقافلة توحي بالتتابع والاستمرار والصبح يوحي بالنور والانفراج، وهذا العنوان يتناقض مع ما يليه (شفاه الظلام) التي بدورها تحتوي على موقف آخر، فالشفاه توحي بالهمس والبوح والشاعرية، والليل كذلك، غير أن الليل يشي بالظلمة والكدر وقس على ذلك بقية العناوين, وبالإضافة إلى العناوين المتضايفة فثمة عناوين أخرى تتكون من نعت ومنعوت، وهي أيضا توحي بالحالة المستقرة التي تستعصي على التغيير وفيها صورة مجازية ينبثق عنها موقف وجداني، من هذه العناوين الانشودة المبحوحة

و أغنيات تائهة والوداع الدامي، والصفات فيها ظلال الغلو والشطط الانفعاليين وهي إما اسم مفعول أو فاعل، لكنها في النهاية واقعة تحت تأثير فعل قاصر فهي

بمعنى اسم المفعول, أمام العناوين المكونة من لفظة مفردة فهي مصادر مطلقة الدلالة تعبر عن لحظة انفعال عميق موغل في التشاؤم: يأس، ضياع، اعتذار,

من هنا يتضح الناقد أن الشاعر كان في هذه المرحلة رومانسيا وجدانيا، ولا تقتصر هذه السمات الجمالية التي أشرنا إليها على ديوانه السالف الذكر، بل إن ديوان همسات في أذن الليل قد سار فيه على نفس النهج فهو في الغزل الخالص، والغزل في العصر الحديث اصبح تجربة إنسانية متعددة الجوانب، وهذا ملمح مهم ينأى عن الغرضية التقليدية المألوفة في الشعر القديم, وغالبا ما يبدأ الشاعر قصائده في مجموعته الشعرية (الهمسات) بصورة كلية أقرب إلى اللوحة التي تتضافر فيها عناصر الطبيعة في مشهد تخييلي يتداخل فيه الزمن المجسم والمعنى المشخّص مع المحسوسات من الأشياء والأحياء، ولكن اللوحات التي تشكل القصيدة لا ينبثق بعضها عن بعض على نحو تلقائي ولا تتنامى في سياق

تكاملي بل تبدو أشبه بالتمظهرات المستقلة في شكل تراكمي، وربما تتشظى أو تتفتت في صور جزئية يربط بينها عبارة متكررة يستهل بها المقطع كما يتضح في قصيدته (الثواني الدافئة) إذ يبدأ المقطع الثاني بقوله تلك الثواني الدافئة ، ويمضي على هذا النحو في بقية المقاطع, وفي هذا الإطار البنائي يلجأ إلى الخطاب المباشر معبرا عن التحولات الداخلية التي أحدثتها اللحظة:

 

تلك الثواني الدافئة

أنتِ التي أدفأتها

أنت التي عطّرتها

بجمالك الغض البهيج

بخطاك في خفر ودل

 

وفي معالجته لقصائد (المعارضة) التي يحتذي فيها النماذج التراثية لا يسير على النمط الاحيائي لدى الرعيل الأول من الشعراء الذين نهضوا بالشعر الحديث و اعادوا إليه ديباجته الأصيلة، بل نحا منحى آخر يقوم على استنهاض الموقف ورفده بظلال الدلالات النفسية التي تحتشد في النموذج القديم كما في قصيدته ذات الخمار الأزرق , من هنا كان ديوان همسات في أذن الليل استمرارا لما سبقه حتى في عناوين القصائد التي إما تتكون في كل منها من لفظتين متضايفتين أو من صفة وموصوف على النحو الذي أشرنا إليه سابقا.

وفي ديوانه تفاصيل في خارطة الطقس تجده يخرج من شرنقة الذات و تنفسح أمامه الآفاق على نحو أوسع فيخوض في عباب التاريخ ويطور أدواته الفنية ويقترب كثيرا من منهج القصيدة الحديثة، وتبدو التجربة الشعرية عنده أكثر ثراء وأرحب أفقا، وتنم بعض قصائده عن خصوصية الانتماء اجتماعيا وفكريا ووطنيا، ويتلاقح صوته مع أصوات بعض الشعراء العرب مثل أبي ريشة وحسن إسماعيل وناجي والسياب, إن الشاعر في قصيدته أنا في طيبة يستوحي المكان تاريخا و تضاريساً ورمزاً، تتداخل الذات مع ما حولها إلى درجة التوحد، بل تتنمذج إذا في التعبير فتتحول إلى نموذج يمثل الذات العربية المسلمة بكل تراثها وتاريخها لينم عن تجاوز أفق الذات والقبيلة المألوف في الشعر العربي القديم وتحتشد القصيدة بالرموز الكونية المألوفة في القصيدة العربية الابتداعية، ويحتفل الشاعر بعناصر التاريخ ويضفرها في صور متقابلات ومتجاورات تكشف عن المرحلة التاريخية بكل أعبائها وأوزارها في مقارنة ضمنية بين الماضي والحاضر ويتولى التاريخ عملية السرد فهو الشاهد الحاضر رسائل الشاعر الأطلال ويحشد أسماء الأماكن والمعالم والقبائل والشعراء،

ويستذكر المشاهد في تقرير وصفي سردي، ولكنه في لحظات الانفعال العاتية يخرج على هذا النسق الأسلوبي عبر النداء والأمر والتساؤل ويتتبع مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ملتقطا مشهد الاستقبال تتم القصيدة برسم مشهد طبيعي له ظلال نفسية خاصة بطيبة ومكانتها الروحية وربما كان ابرز معالم هذه القصيدة الحوار بين معالم المدينة المشهورة والحركة التشخيصية التي تبدو فيها:

 

وتمطى العقيق يسأل (سلعا)،

عن صدى اللحن في غفار القماري

ما الذي حل في (قباء)؟ وماذا

شع منها على الربا والحرار

 

وتتداخل في القصيدة أصوات الشعراء عبر صياغات الشاعر وتعبيراته فهذا عنترة يتردد صدى صوته في قول الشاعر:

 

والمواضي نواهل من جراحٍ

ثائرات على مسوح الهوان

 

وصوت عمر أبي ريشة يسري على استحياء في أجواء القصيدة وخصوصا في قصيدته: ياعروس المجد تيهي واسجي في مغانيها ذيول الشهب.

ويظل الهاجس الفني التعبيري يخامر الشاعر في هذا الديوان أيضا وخصوصا في قصيدته على ضفاف البيان كما يتضح من العنوان فهو يستدعي حشدا حافلا من الشعراء مثل ابن الخطيم وابن جلاح، ويركز في حديثه عن ماضي طيبة على موضوع الفصاحة والتراث الثقافي والبياني:

 

ملكت ذروة الفصاحة طراً

ببيان الحديث والقرآن

ويتحدث عن الشعر في قوله:

فبنوها بين راكب خيل

للقاء الأنداد والأقران

وفقيه، وشاعر في ندى